ما هو وصف الجنة
الجنّة:
شرع الله -تعالى- عدّة أحكام في الشّريعة الإسلاميّة وجعل في النّفس البشريّة محفّزات لتدفعها إلى عبادة الله -تعالى- وطاعته، فبعض النّاس يخاف من نزول العذاب المذكور في القرآن الكريم فيه؛ ممّا يدفع ويحفّز إلى الطّاعة والالتزام بأوامر الله تعالى، وبعض النّاس يميلون بفطرتهم إلى التّرغيب وانتظار الأجر والعاقبة الحَسَنة فيقومون بأوامر الله -تعالى- رغبةً في المنقلب الحَسن، وكانت إحدى طرق ترغيب النّاس بالطّاعات والعبادات و ذِكْر الجنّة ووصفها وصفاً دقيقاً؛ ليتشجّع الناس ويُقبلون على أوامر الله -تعالى- وينتظرونها بلهفةٍ ورغبةٍ، ويلتزمون بما يوصلهم إلى الجنّة ويجتنبون ما يُبعدهم عنها، وفي المقال الآتي بيان أوصاف الجنّة وذكر بعض الأحاديث النبويّة والآيات القرآنية التي وصفت الجنّة وأهلها
وَصْف الجنّة:
زيّن الله -تعالى- الجنّة لعباده فهي أجمل ما رأته الأعين وأهنأ ما تسكن إليه النّفوس، حيث غرس الله -تعالى- غرسها بيده وجعلها مُستقرّاً لأوليائه فضلاً ورحمةً منه، وملأها بالخير والرّحمات والحبّ والسّعادة، وكفى أهلها المرض والهمّ والبلاء، حتى إنّهم لا يتغوّطون ولا يتبوّلون، وأرضها من المِسك والزعفران، وسقفها من فوق المؤمنين هو عرش الرحمن، وحصاها من اللؤلؤ والجواهر، كما أنّها بُنيت بلبنةٍ من فضّة ولبِنةٍ من ذهب، وثمر شجرها كبير الحجم وألينُ من الزّبد وأحلى من العسل، وفيها أنهار تجري بعضها من العسل وبعضها من اللبن وبعضها الآخر من الخَمْر الطيّب، وطعام أهلها الفواكه ولحوم الطير التي تُشتهى كلّ حين، وشرابهم الزّنجبيل والتسّنيم والكافور، وسيقان شجرها من الفضّة والذّهب، والرّاكب السّريع يسير في ظلّ شجرها مئة عام
ووجوه أهل الجنّة كالقمر ليلة البدر، ويطوف بينهم غلمانهم ويكونوا كاللؤلؤ المكنون، وزوجات رجال الجنّة وصفنّ بالكواعب الأتراب، ويُرى ما في عروق النّساء؛ ممّا يدلّ على شدّة جمالها، ولو أنّها تطّلع على أهل الأرض لملأتهم رِيحاً من ريحها، وقد تطهّرنّ نساء الجنّة من الحيض والنفاس والولادة والغائط والمخاط والبصاق ومن كلّ عيبٍ قد يلحق الإنسان في الدنيا، وفي الجنّة يعيش المؤمنون نعيماً خالداً لا يفنى، ويتمتّعون بالهناء والسّعادة والرضى والخلود، والصحّة التي ليس بعدها مرض، والجمال الذي لا يتأثر مع مرور السنين، إذ قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (إنَّ في الجنَّةِ لَسوقاً، يأتونَها كلَّ جمعةٍ، فتَهُبُّ ريحُ الشَّمالِ فتَحثو في وجوهِهِم وثيابِهِم، فيَزدادونَ حُسناً وجمالاً، فيرجِعونَ إلى أَهْليهم وقدِ ازدادوا حُسناً وجمالاً، فَيقولُ لَهُم أَهْلوهُم: واللَّهِ لقدِ ازددتُمْ بَعدَنا حُسناً وجَمالاً، فيقولونَ: وأنتُمْ، واللَّهِ لقدِ ازدَدتُمْ بَعدَنا حُسناً وجمالاً).
جنّة الفردوس:
جنّة الفردوس يحظى بها من آمن بالله تعالى وبكل ما أنزله على عباده في الحياة الدنيا، فالإنسان الذي أدّى الطاعات والعبادات التي أمر بها، سيحظى بجنّة الفردوس، أمّا الإنسان الذي أضاع حياته هدراً وهباءً منثورة في سبيل القيام باللهو والترف وارتكاب المعاصي والنواهي التي نهى عنها الله سبحانه وتعالى، فقد خسر حياته الأبدية السعيدة والتي تكون بالفوز بجنان الفردوس.
جنّة الفردوس ليس جنّة واحدة، بل هناك أكثر من جنّة كجنّة الفردوس الأعلى وجنّة الفردوس الأدنى، فكلّ إنسان حسب أعماله يجزى بنوع الجنّة التي يستحقها، فمن المؤمنين من يدخل في الفردوس الأعلى، ومنهم من يدخل في الفردوس الأدنى، وذلك على قدر الأعمال التي كان يعملها في حياته الدنيا، لقوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا".
تتّصف جنّة الفردوس بجمالها الخلاب، فهي تقع في منتصف الغرف (الجنّة)، وتحتلّ أعلى وأوسط موقع في الجنّة، فجنّة الفردوس تنبع منها جميع أنهار الجنّة، فلا يمكن وصف جمالها، والمؤمن الذي يحظى بها، يحصل على أعلى غرف الجنّة وأوسطها وأجملها، وتختلف درجات جنّة الفردوس حسب مكانة ومنزلة المؤمن.
للفوز بهذه الجنان ونعيمها، يجب القيام بالعمل الدءوب وبذل الجهد الذي يمكنه من الحصول على هذه النعمة، وقيام الإنسان بأداء جميع الفرائض التي فرضت على الإنسان كالصلاة، وقراءة القرآن الكريم، والصيام، والحج، والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الفرائض، والعمل على التقرّب إلى الله تعالى بأداء السنن التي نقلت عن سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، وإخلاص النية والصدق مع الله تعالى عند القيام بجميع هذه الأعمال، والتحلي بصفات المؤمنين الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز، وأخذ العبرة من الأمم السابقة والعقاب الشديد الذي نالوه نتيجة لكفرهم وطغيانهم وفسادهم في الأرض، ونسأل الله تعالى أن يطعمنا نحن وإياكم بجنّة الفردوس الأعلى.
درجات الجنة وأسماؤها:
لم يذكر بالتحديد المطلق أسماء الجنة وعدد درجاتها، باستثناء بعض الأحاديث المصححة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فبعض الفقهاء يرجّحون بأنّ عدد درجات الجنة كعدد الآيات القرآنيّة الكريمة، وذلك استناداً للحديث الذي روي عن عبد الله بم عمرو عن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (قال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها)، [صحيح الترمذي]، بينما يرجّح آخرون بأنّ عدد درجت الجنة مئة درجة، وذلك استناداً إلى الحديث الذي روي عن الترمذي وصححه الألباني بأنّ الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (في الجنَّةِ مائةَ درجةٍ ما بينَ كلِّ درجَتينِ كما بينَ السَّماءِ والأرضِ، والفِردوسُ أعلاها درجةً، ومنها تُفجَّرُ أنهارُ الجنَّةِ الأربعَةِ، ومِن فوقِها يكونُ العرشُ، فإذا سألتُمُ اللَّهَ فاسأَلوه الفِردوسَ).
أبواب الجنة:
للجنة ثمانية أبواب، وقد ثبت ذلك في العديد من النصوص الشرعية، منها: عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: (من قال: أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسَى عبدُ اللهِ وابنُ أمتِه وكلِمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ، وأنَّ النَّارَ حقٌّ، أدخله اللهُ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ الثَّمانيةِ شاء. وفي روايةٍ : لأدخله اللهُ الجنَّةَ على ما كان من عملٍ ولم يذكُرْ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ الثَّمانيةِ شاء)[صحيح مسلم]، ولهذه الأبواب أسماء ثبتت بنصوص شرعية، مثل:
باب الصلاة: وهو باب المكثرين من الصلاة.
باب الصدقة: وهو باب المتصدقين، وأهل الزكاة.
باب الجهاد: وهو باب المجاهدين في سبيل الله.
باب الريان: وهو الباب الذي يدخل منه الصائمون يوم القيامة، ولا يدخل منه أحدٌ غيرهم.
باب الأيمن: وهو باب الشفاعة.
باب التوبة: كما قيل عنه باب محمد صل الله عليه وسلم، وهو بابٌ خاصٌ بالتائبين، وهو مفتوحٌ منذ خلقه الله ولا يغلق، حتّى تطلع الشمس من مغربها، حيث يغلق، ويفتح يوم القيامة.
باب الكاظمين الغيظ.
منها ما اختاره بعض العلماء، لوجود إيماءات، وإشاراتٍ في النصوص، مثل:
باب لا حول ولا قوة إلا بالله.
باب الذكر.
باب العلم.
باب الحج.
باب الراضين.
النعيم في درجات الجنة:
- مقام الوسيلة: هو مقام النبي محمد عليه الصلاة والسلام وهو أرفع مقام في الجنة، ومن سأل ربّه له الوسيلة وقعت عليه شفاعة النبيّ عليه السلام يوم الحساب.
- غرف أهل علين: قصور بأدوار عدة مصنوعة من الدر والجواهر، وتسري من تحتها الأنهر والينابيع، ويسكنها الرسل والأنبياء ومن صدقوا الله والمتآخين في الله والشهداء والصابرين على البلاء.
- غرف الجنة: وهي قصور مصنوعة من الجوهر الشفاف، يرى داخلها من خارجها، ويسكنها عباد الله المؤمنين ذو الكلام الطيب والمطعمين الطعام والقائمين والعباد نيام.
أما باقي أهل الجنة فيسكنون الدرجات المائة الباقية، حيث يفصل بين كل درجة وأخرى مسافة ما بين السماء والأرض، أمّا نعيم أهل أدنى هذه الدرجات مكانة فله ملك عشرة أضعاف أغنى ملوك الحياة الزائلة.
صفات أهل الجنة
صفات رجال أهل الجنة: يبعث رجال أهل الجنة بمثل صورة أب البشرية سيدنا آدم عليه السلام، أي جرداً دون أي شعر يكسو أجسامهم، ومرداً أي أنّهم طويلو القمامة، أمّا أعمارهم فتقتصر على الثلاث والثلاثين من العمر، وهم بجمال وحسن سيدنا يوسف لا يشيخون ولا يموتون، وعلى لسان سيّدنا محمد عليه السلام، أي ينطقون باللغة العربية.
صفات نساء الجنة: يوصفن بملكات الجنة ويزدن حور العين جمالاً وحسناً، حيث منحهن الله تعالى جمال وشباب لا يزول ولم تره أعين الإنس من قبل، كما أعد الله تعالى لهن نعيماً عظيماً.
إنّ للجنّة ثمانية أبواب ليدخل منها المؤمنون حسب أعمالهم في الحياة الدّنيا، فمَن كان من أهل الصّلاة يدخل الجنّة من باب الصّلاة، ومَن كان من أهل الصّيام يدخلها من باب الرّيان، وحين يستقرّ المؤمنون في الجنّة ويدخل أهل النّار إلى النّار يُؤتى بالموت على هيئة كبش، ويُنادى المؤمنين والكافرين ويعرفون أنّه الموت، ثمّ يذبح الكبش دلالةً على أنّ الحياة في الجنّة والنّار خالدة، فيزداد فرح أهل الجنّة ويزداد غمّ الكفّار، ويدخل المؤمنون إلى الجنّة زُمراً جماعاتٍ على هيئة القمر ليلة البدر، وأمشاطهم من الذّهب ورشحهم المِسك كما وصفهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأعدّ الله لهم نعيماً منه وفضلاً لا يخطر على بال بشر، قال الله -تعالى- في الحديث القدسيّ: (أعدَدتُ لعِبادي الصَّالحين ما لا عَينٌ رأَتْ، ولا أذُنٌ سمِعَت، ولا خطَر على قلْبِ بشَرٍ، ذُخراً، بَلْهَ ما أُطْلِعْتُم عليه)،
فوعد الله -تعالى- عباده بنعيمٍ لا يزول وهو أعظم من كلّ نعيم الدّنيا، ومن صفات أهل الجنّة التي ذكرها النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّ الرّجل المؤمن ليُعطى قوّة مئة رجل في الطّعام والشّراب والشّهوة، وإنّ فضلات طعامه وشرابه تخرج كرائحة المسك من جلده إنّ آخر أهل الجنّة دخولاً إلى الجنّة رجل كثُرت خطاياه وسيئاته ثمّ عفا الله -تعالى- عنه فأخرجه من النّار، فيمشي مرّةً ويكبو مرّة حتّى إذا تخلّص من النّار ونجا، حَمَد الله -تعالى- وظنّ أنّه أسعد النّاس بنجاته من عذاب جهنّم، فيرفع الله -تعالى- له شجرةً فيدعو الله -تعالى- بأن يُدنيه منها لستظلّ بظلّها ويعاهد الله -تعالى- بأن لا يطلب غير ذلك، فيقرّبه منها ويشرب من مائها، ثمّ تُرفع له شجرةً أخرى فيطلب ذات الطلب ويجيبه الله تعالى، ثمّ تُرفع له شجرة ثالثة فيطلب من الله -تعالى- أنّ يستظلّ بظلّها فيجيبه، حتى يسمع صوت أهل الجنّة فيسأل الله -تعالى- أن يدخلها، فيعطيه الله -تعالى- مسألته.
أعظم نعيم الجنّة
إنّ أعظم نعيم أهل الجنّة هو النّظر لوجه الله تعالى، حيث ورد في القرآن الكريم: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، فوجوه أهل الجنّة تبتهج عندما تنظ إلى وجه ربّها عزّ وجلّ، وقال الله تعالى: (لِلَّذينَ أَحسَنُوا الحُسنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرهَقُ وُجوهَهُم قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصحابُ الجَنَّةِ هُم فيها خالِدونَ)، وقال البعض في تفسير الآية الكريمة إنّ الحسنى هي الجنّة، والزيادة هي النّظر إلى وجه الله تعالى، فالله -تعالى- في الجنّة يستزير عباده المؤمنين وينادي فيهم منادٍ لزيارة الله -تعالى- فيلبّون النداء، فتُنصب لهم منابر من نور وزبرجد وذهب وفضة ليجلسوا عليها، ثمّ يسمعون صوت ربّهم وهو مُقبِل عليهم، فينكشف الحجاب عن وجهه الكريم فيرونه، وقال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في وَصْف ذلك: عندما يدخلُ المؤمنون الجنّة ويهنأون بنعيمها، يناديهم ربّهم أن هل تريدون شيئاً آخر، فيردّ المؤمنون أن لا يريدون شيئاً أكثر من هذا النعيم، فقد بيّض الله وجوههم وأدخلهم جنّاته، فيكشف الله تعالى الحجاب عن وجهه الكريم، فيقول النبيّ عليه السلام: (إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ، قال يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: تريدونَ شيئاً أزيدكُم؟ فيقولونَ: ألم تبيضْ وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنةَ وتنجنا من النار، قال فيكشِفُ الحجابَ، فما أُعطوا شيئاً أحبَّ إليهِم من النظرِ إلى ربّهم عزّ وجلَّ).
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: {هي وَرَبِّ الكعبةِ نورٌ يَتَلأْلأُ وريحانةٌ تَهْتزُّ وقصرٌ مشِيدٌ ونهرٌ مطَّردٌ وثَمَرةٌ نضِيْجَة وزوجةٌ حسناءُ جميلةٌ وحُلَلٌ كثيرةٌ}،
وقال تعالى: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ}.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق