(ص: ١٦٠)
تفسير سورة المزمل وقوله مكيةقال الحافظ أبو بكر بن عمرو بن عبد الخالق البزار
(1): حدثنا محمد بن موسى القطان الواسطي، حدثنا معلى بن عبد الرحمن، حدثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل اسمًا يصدر الناس عنه. فقالوا: كاهن. قالوا: ليس بكاهن. قالوا: مجنون. قالوا: ليس بمجنون. قالوا: ساحر. قالوا: ليس بساحر. فتفرق المشركون على ذلك، فبلغ ذلك النبي
ﷺ فتزمل في ثيابه وتدثر فيها. فأتاه جبريل عليه السلام فقال: {
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}، {
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}.
ثم قال البزار: معلى بن عبد الرحمن: قد حدَّث عنه جماعة من أهل العلم، واحتملوا حديث، لكنه تفرد بأحاديث لا يتابع عليها.
بسم الله الرحمن الرحيم
{
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَويلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)}
أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وعلم أن يترك التزمل، وهو: التغطي في الليل، وينهض إلى القيام لربه عز وجل -كما قال تعالى: {
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} وكذلك
[1] كان رسول الله
ﷺ ممتثلًا ما أمره الله تعالى به من قيام الليل، وقد كان واجبًا عليه وحده، كما قال تعالى: {
وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} وهاهنا بين له مقدار ما يقوم، فقال تعالى: {
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلً}.
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٦١)
قال ابن عباس، والضحاك، والسدي: {
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}، يعني: يا أيها النائم. وقال قتادة: المزمل في ثيابه. وقال إبراهيم النخعيّ: نَزَلت وهو مُتزمّل بقطيفة. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس: {
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} قال: يا محمَّد، زملت القرآن.
وقوله: {
نِصْفَهُ}: بدل من الليل، {
أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيهِ} أي: أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل، لا حرج عليك في ذلك.
وقوله: {
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}، أي: اقرأه على تمهل، فإنه يكون عونًا على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ، صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة: كان يقرأ السورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها. وفي صحيح البخاري
(2)، عن أنس أنه سُئِل عن قراءة رسول الله
ﷺ فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ: {
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم.
وقال ابن جريج. عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة: أنها سُئلت عن قراءة رسول الله
ﷺ فقالت: كان يقَطع قراءته آية آية {
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)}. رواه أحمد
(3)، وأبو داود، والترمذي.
وقال الإِمام أحمد
(4): حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي
ﷺ قال: (
يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها).
ورواه أبو داود والترمذي، والنسائي من حديث سفيان الثوري به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل وتحسين الصوت بالقراءة، كما جاء في الحديث: (
زينوا القرآن بأصواتكم)
(5).
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٦٢)
و (
ليس منا من لم يتغن بالقرآن)
(6). و (
لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود) يعني: أبا موسى. فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك كنت تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرًا
(7).
وعن ابن مسعود أنه قال: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذوه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة رواه البغوي.
وقال البخاري
(8): حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرة: سمعت أبا وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة. فقال: هَذًّا كهذّ الشعر، لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله
ﷺ بقرن بينهن. فذكر عشرين سورة من المُفصّل، سورتين [من آل حم] في ركعة.
وقوله: {
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}، قال الحسن، وقتادة: أي العمل به.
وقيل: ثقيل وقت نزوله، من عظمته. كما قال زيد بن ثابت: أنزل على رسول الله
ﷺ وفَخذُه على فخذي، فكادت تُرض فَخذي.
وقال الإِمام أحمد
(9): حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لَهيعة، عن يزيد بن أبي حَبيب، عن عَمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو قال: سألتُ النبي
ﷺ: فقلت: يا رسول الله، هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله
ﷺ: (أسمع صَلاصلَ، لم أسكتُ عند ذلك، فما من مرة يوحى إليّ إلا ظننت أن نفسي تَفيِض. تفرد به أحمد.
وفي أول صحيح البخاري
(10) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله
ﷺ: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: )أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عَلَيّ فيفصم عني
[1]، وقد وعيت
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٦٣)
عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول(.
قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي
ﷺ في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا. هذا لفظه.
وقال الإِمام أحمد
(11): حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: إن كان ليوحَى إلى رسول الله
ﷺ وهو على راحلته، فتضرب بجرانها.
وقال ابن جرير
(12): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن النبي
ﷺ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته، وسمعت جرَانها، فما تستطيع أن تحرك حتى يُسَرّى عنه. وهذا مرسل. الجران، وهو باطن العنق.
واخنار ابن جرير أنه ثقيل من الوجهين معًا، كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما ثقل في الدنيا ثقل يوم القيامة في الموازين:
وقوله: {
إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}: قال أبو إسحاق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: نشأ: قام بالحبشة.
وقال عمر، وابن عباس، وابن الزبير: الليل كله ناشئة. وكذا قال مجاهد، وغير واحد قال: نشأ: إذا قام من الليل. وفي رواية عن مجاهد: بعد العشاء. وكذا قال أبو
[1] مِجْلَز وقتادة، وسالم وأبو حازم، ومحمد بن
[2] المنكدر.
والغرض أن ناشئة الليل هي: ساعاته وأوقاته، وكل ساعة منه تسمى ناشئة، وهي الآنات
[3]. والمقصود أن قيام الليل هو أشدّ مواطأة دين القلب واللسان، وأجمع على التلاوة؟ ولهذا قال: {
هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}، أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار؛ لأنّه وقتُ انتشار الناس، ولَغَط الأصرات، وأوقات المعاش.
و
[4] قال الحافظ أبو
[5] يعلى الموصلي
(13): حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٦٤)
أبو أسامة، حدثنا الأعمش: أن أنس بن مالك قرأ هذه الآية: {
إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}. فقال له رجل: إنما نقرؤها {
وَأَقْوَمُ قِيلًا} فقال له: أن أصوب وأقوم وأهيأ وأشباه هذا واحد.
ولهذا قال: {
إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَويلًا}، قال ابن عباس، وعكرمة، وعطاء بن أبي مُسلم: الفراغ والنوم، وقال أبو العالية، ومجاهد، وأبو مالك، والضحاك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وسفيان الثوري: فراغًا طويلًا. وقال قتادة: فراغًا وبغيةً ومنقلبًا. وقال السدي: {
سَبْحًا طَويلًا}: تطوعًا كثيرًا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {
سَبْحًا طَويلًا}، قال: لحوائجك، فأفْرغ لدينك الليل. قال: وهذا حين كانت صلاة الليل فريضة، ثم إن الله من على العباد فخففها ووضعها، وقرأ: {
قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلً} إلى آخر الآية، ثم قال: {
نَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيلِ} حتى بلغ: {
فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [الليل نصفه أو ثلثه. ثم جاء أمر أوسع وأفسح وضع الفريضة عنه وعن أمته فقال:]
[1] وقال: {
وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}. وهذا الذي قاله كما قاله.
والدليل عليه ما رواه الإمام أحمد
(14) في مسنده حيث قال: حدثنا يحيى، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد
[2] بن هشام: أنه طلق امرأته ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارًا له بها ويجعله في الكراع والسلاح، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقي رهطًا من قومه فحدثوه أن رهطًا من قومه ستةً أرادوا ذلك على عهد رسول الله
ﷺ فقال: (
أليس لكم في أسوة؟ ) فنهاهم عن ذلك، فأشهدهم على رَجعتها، ثم رجع إلينا فأخبرنا أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله
ﷺ؟ قال: نعم. قال: ائت عائشة فاسألها ثم ارجع إليّ فأخبرني بردّها عليك. قال: فأتيت على حَكيم بن أفلحَ فاستلحقتُه إليها، فقال: ما أنا بقاربها. إني نهيتها أن تقول في هاتين الشّيعَتَين شيئًا، فأبت فيهما إلا مُضِيًّا. فأقسمتُ عليه، فجاء معي، فدخلنا عليها فقالت: حكيم؟ -وعرفته- قال: نعم. قالت: من هذا معك؟ قال: سعد
[3] بن هشام. قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر. قال
[4]: فترحمت
[5] عليه وقالت: نعم المرء
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٦٥)
كان عامر. قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله
ﷺ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله
ﷺ كان القرآن. فهمَمتُ أن أقوم، ثم بدا لي قيامُ رسول الله
ﷺ. قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن قيام رسول الله
ﷺ. قالت: ألست تقرأ هذه السورة: {
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل}؟ قلت: بلى. فقالت: فإن الله افترض
[1] قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله
ﷺ وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرًا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا من بعد فريضة. فهمَمتُ أن أقومَ، ثم بدا لي وتر رسول الله
ﷺ، قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله
ﷺ. قالت: كنا نعد له سواكه وطَهُوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ثم يتوضأ ثم يصلي ثماني ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه [ودعو ويستغفر ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد فيحمد ربه ويذكره ويدعو،]
[2] ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم. فتلك
[3] إحدى عشرة ركعة
[4] يابني. فلما أسن رسول الله
ﷺ وأخذ اللحم، أوتر بسبع، ثم صلى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، فتلك تسع يا بني. وكان رسول الله
ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا شَغَله عن قيام الليل نوم أو وَجَعٌ أو مرض، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله
ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، [ولا قام ليلة]
[5] حتى أصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان. فأتيت ابن عباس فحدثته بحديثها، فقال
[6]: صدقت
[7]، أما لو كنت أدخل عليها
[8] لأتيتها حتى تشافهني مشافهة.
هكذا رواه الإمام أحمد بتمامه. وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث قتادة بنحوه
[9].
طريق أخرى عن عائشة في هذا المعنى، قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، وحدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، قالا جميعًا، واللفظ لابن وكيع: عن موسى بن عُبيدَة، حدثني محمَّد بن طحلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: كنت أجعل لرسول الله
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٦٦)
ﷺ حصيرًا يُصَلي عليه من الليل، فتسامع الناس به
[1] فاجتمعوا، فخرج كالمغضَب -وكان بهم رحيمًا، فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل- فعَال: (
أيها الناس، اكلَفُوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يَمَلّ من الثواب حتى تملوا من العمل، وخير الأعمال ما ديمَ عليه)، ونزل القرآن: {
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيهِ}، حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه، فرحمهم فردهم إلى الفريضة، وترك قيام الليل.
ورواه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة الربذي
[2]، وهو ضعيف. والحديث في الصحيح
(15). بدون زيادة نزول هذه السورة، وهذا السياق قد يُوهم أن نزول هذه السورة بالمدينة، وليس كذلك، وإنما هي مكية. وقوله في هذا السياق: إن بين نزول أولها وآخرها ثمانية أشهر غريب؛ فقد تقدم في رواية أحمد أنه كان بينهما سنة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن سماك الحنفي، سمعت ابن عباس يقول: أول ما نزل أول المزمل، كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في شهر رمضان، وكان بين أولها وآخرها قريب من سنة.
وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن أبي أسامة به
(16).
وقال الثوري ومحمد بن بشر العَبدي
(17)، كلاهما عن مسعر، عن سماك، عن ابن عباس: كان بينهما سنة. وروى ابن جرير
(18)، عن أبي كريب، عن وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.
وقال ابن جرير
(19): حدثنا ابن حميد، حدثنا
[3] مهران، عن سفيان، عن قيس بن وهب، عن أبي عبد الرحمن قال: لما نزلت: {
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}، قاموا حولًا حتى ورمت أقدامهم وموقهم، حتى نزلت: {
فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} قال: فاستراح الناس.
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٦٧)
وكذا قال الحسن البصري.
وقال ابن أبي حاتم: [حدثنا أبو زرعة، حدثنا عُبَيد الله بن عمر القواريري، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي]
[1] عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى؛ عن سعد
[2] بن هشام قال: فقلت -يعني لعائشة-: أخبرينا عن قيام رسول الله
ﷺ. قالت: ألست تقرأ: {
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}؟ قلت: بلى. قالت: فإنها كانت قيام رسول الله
ﷺ وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، وحُبس آخرها في السماء ستةَ عشرَ شهرًا، ثم نزل.
وقال معمر عن قتادة: {
قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلًا} قاموا حولًا أو حولين، حتى انتفخت سُوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها بعد في آخر السورة.
وقال ابن جرير
(20): حدثنا ابن حُميد، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد -هو ابن جبير- قال: لما أنزل الله على نبيه
ﷺ: {
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}، قال، مكث النبي
ﷺ على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله عليه بعد عشر سنين: {
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} إلى قوله: {
وَأَقِيمُوا[3] الصَّلَاةَ}، فخفف الله تعالى عنهم بعد عشر سنين ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عمرو بن رافع، عن يعقوب القمّي به.
وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله: {
قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} فأمر الله نبيه والمؤمنين بقيام الليل إلا قليلًا]
[4]، فشق ذلك على المؤمنين، ثم خفف الله عنهم ورحمهم، فأنزل بعد هذا: {
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ} إلى قوله: {
فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}، فوسع الله -وله الحمد- ولم يضيق.
وقوله: {
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيهِ تَبْتِيلًا}، أي: أكثر من ذكره، وانقطع إليه، وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك، وما تحتاج إليه من أمور دنياك، كما قال: {
فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7)} [الشرح: 7] أي: إذا فرغت
[5] من مهامك
[6] فانصب في طاعته وعبادته، لتكونَ فارغَ البال. قاله ابن زيد بمعناه أو قريب منه.
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٦٨)
قال ابن عباس ومجاهد، وأبو
[1] صالح وعطية، والضحاك والسدي: {
وَتَبَتَّلْ إِلَيهِ تَبْتِيلًا}، أي: أخلص له العبادة.
وقال الحسن: اجتهد وبتل
[2] إليه نفسك.
وقال ابن جرير: قال للعابد: متبتل، ومنه الحديث المروي أنه
[3] نهى عن التبتل
(21). يعني الانقطاع إلى العبادة، وترك التزوج
[4]. وقوله: {
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}، أي: هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب، الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة
[5] [فأفرده بالتوكل]
[6] {
فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}، كما قال في الآية الأخرى: {
فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيهِ}، وكقوله: {
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، و
[7] آيات كثيرة في هذا المعنى، فيها الأمر بإفراد العبادة والطاعة لله، وتخصيصه بالتوكل عليه.
{
وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَينَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (14) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16) فَكَيفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18)}
يقول تعالى آمرًا رسوله
ﷺ بالصبر على ما يقوله مَن كذبه مِن سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجرًا جميلًا، وهو الذي لا عتاب معه. ثم قال له متوعدًا لكفار قومه ومتهددًا -وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء-: {
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ}، أي: دعني والمكذبين المترفين أصحاب الأموال، فإنهم أقدر على الطاعة من غيرهم، وهم يطالبون من
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٦٩)
الحقوق بما ليس عند غيرهم، {
وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا} أي: رويدًا، كما قال: {
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ}؛ ولهذا قال هاهنا: {
إِنَّ لَدَينَا أَنْكَالًا}، وهي: القيود. قاله ابن عباس، وعكرمة، وطاووس، ومحمد بن كعب، وعبد الله بن بُرَيدة، وأبو عمران الجوني، وأبو مجلز، والضحاك، وحماد بن أبي سليمان، وقتادة، والسدي، وابن المبارك، والثوري، وغير واحد {
وَجَحِيمًا}، وهي السعير المضطرمة
[1]. {
وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ}: قال ابن عباس: ينشب في الحلق فلا يدخل ولا يخرج، {
وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ}، أي: تزلزل، {
وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا}، أي: تصير ككثبان الرمل بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تنسف نسفًا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، حتى تصير الأرض قاعًا صفصفًا، لا ترى فيها عوجًا، أي: واديًا، ولا أمتًا، أي: رابية، ومعناه: لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع.
ثم قال مخاطبًا لكفار قريش - والمراد سائر الناس: {
إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيكُمْ}، أي: بأعمالكم، {
كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} قال ابن عباس ومجاهد، وقتادة والسدي، والثوري: {
أَخْذًا وَبِيلًا}، أي: شديدًا. أي: فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول، فيصيبَكم ما أصابَ فرعونَ، حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى: {
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى}، وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم؛ لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران. ووُروَى عن ابن عباس، ومجاهد.
وقوله: {
فَكَيفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا}، يحتمل أن يكون {
يَوْمًا}
[2] معمولًا لتتقون، كما حكاه ابن جرير عن قراع وابن مسعود: (
فكيف تخافون أيضًا الناس يومًا يجعل الولدان شيبًا إن كفرتم بالله ولم تصدقوا به؟ ) ويحتمل أن يكون معمولًا
[3] لكفرتم، فعلى الأول: كيفَ يحصلُ لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم إن كفرتم؟ وعلى الثاني: كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة وجحدتموه؟ وكلاهما معنى حسن، ولكن الأول أولى، والله أعلم.
ومعنى قوله: {
يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا} أي: من شدة أهواله وزلازله وبلابله، وذلك حين يقول الله لآدم: ابعَثْ بعثَ النار. فيقول: مِن كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة.
قال الطبراني
(22): حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا سعيد بن أبي مريم
[4]، حدثنا
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٧٠)
نافع بن يزيد، حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله
ﷺ قرأ: {
يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا}، قال: (
ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثًا إن النار. قال: من كم يا رب؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون[1] وينجو واحد). فاشتد ذلك على المسلمين، وعرف ذلك رسول الله
ﷺ ثم قال حين أبصر ذلك في وجوههم: (
إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من[2] ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل [حتى ينتشر][3] لصلبه ألف رجل ففيهم[4] وفي أشباههم جنة لكم).
هذا حديث غريب، وقد تقدم في أول سورة الحج ذكر هذه الأحاديث
[5].
وقوله: {
السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ}: قال الحسن، وقتادة: أي بسببه من شدته وهوله
[6]. ومنهم من يعيد الضمير على الله عز وجل. [وروي عن ابن عباس ومجاهد،]
[7] وليس بقوي: لأنه لم يجر له ذكر هاهنا.
وقوله تعالى: {
كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا}: أي. كان وعد هذا اليوم مفعولًا، أي: واقعا لا محالة، وكائنًا لا محيد عنه.
{
إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (19) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)}
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٧١)
يقول تعالى: {
إِنَّ هَذِهِ}، أي: السورة {
تَذْكِرَةٌ}، أي: يتذكر
[1] بها أولو الألباب، ولهذا قال: {
فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} أي: ممن شاء الله هدايته، كما قيده في السورة الأخرى: {
وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
ثم قال: {
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ}، أي: تارة هكذا وتارة هكذا، وذلك كله من غير قصد منكم، ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما أمركم به من قيام الليل؛ لأنه يشق عليكم؛ ولهذا قال: {
وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ}، أي: تارة يعتدلان، وتارة يأخذ هذا من هذا، أو هذا من هذا، {
عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ}، أي: الفرض الذي أوجبه عليكم {
فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}، أي: من غير تحديد بوقت، أي: ولكن قوموا من الليل ما تيسر، وعبر عن الصلاة بالقراءة، كما قال في سورة سبحان: {
وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ}، أي: بقراءتك، {
وَلَا تُخَافِتْ بِهَا}.
وقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية - وهي قوله: {
فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} - على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن، ولو بآية، أجزأه، واعتضدوا بحديث المسيء []
[2] صلاته الذي في الصحيحين
(23): (
ثم قرأ ما في تيسر معك من القرآن).
وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت، وهو في الصحيحين أيضًا: أن رسول الله
ﷺ قال: (
لا صلاة [لمن لم][3] يقرأ بفاتحة الكتاب)
(24)، وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله
ﷺ قال: (
كل صلاة لا يقرأُ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج، غير تمام)
(25). [يقرأ بأم القرآن]
[4] وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعًا: (
لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بأم القرآن)
(26).
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٧٢)
وقوله: {
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، أي: علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل، من مرضى لا يستطيعون ذلك، ومسافرين في الأرض يبتغون من فضل اللَّه في المكاسب والمتاجر، وآخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل اللَّه، وهذه الآية -بل السورة كلها- مكية، ولم يكن القتال شُرع بَعدُ، فهي من أكبر دلائل النبوة، لأنه من باب الإِخبار
[1] بالمغيبات المستقبلة؛ ولهذا قال: {
فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}، أي: قوموا بما
[2] تيسر عليكم منه.
قال ابن جرير
(27): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء -محمد- قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، ما تقول في رجل قد استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه، ولا يقوم به، إنما يصلي المكتوبة؟ قال: يتوسَّد القرآن، لعن اللَّه ذاك، قال اللَّه تعالى للعبد الصالح: {
وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ}، {
وَعُلِّمْتُمْ[3] مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ}. قلت: يا أبا سعيد، قال اللَّه: {
فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} قال: نعم، ولو خمس آيات.
وهذا ظاهر من مذهب الحسن البصري، أنه كان يرى حقًّا واجبًا على حَمَلة القرآن أن يقوموا ولو بشيء منه في الليل؛ ولهذا جاء في الحديث: أن رسول اللَّه
ﷺ سُئل عن رجل نام حتى أصبح، فقال: (
ذاك رجل بال الشيطان في أذنه)
(28). فقيل: معناه: نام عن المكتوبة. وقيل: عن قيام الليل، وفي السنن: (
أوتِرُوا، أهل القرآن)
(29). وفي الحديث الآخر: (
من لم يوتر فليس منا)
(30).
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٧٣)
وأغرب من هذا ما حكي عن أبي بكر عبد العزيز، من الحنابلة، من إيجابه قيام شهر رمضان، فاللَّه أعلم.
وقال الطبراني
(31): حدثنا أحمد بن سعيد بن فرقد الجُدّي، حدثنا [أبو محمد]
[1] بن يوسف الزّبيدي، حدثنا عبد الرحمن. عن محمد بن عبد اللَّه بن طاوس، من ولد طاووس- عن أبيه، عن طاووس، عن ابن عباس، عن النبي
ﷺ: {
فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}، قال: (
مائة آية).
وهذا حديث غريب جدًّا، لم أره إلّا في معجم الطبراني رحمه الله.
وقوله: {
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، أي: أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا يدل لمن قال: إن
[2] فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النّصب والمَخْرَج لم تُبَين إلا بالمدينة، واللَّه أعلم.
وقد قال ابن عباس، وعكربة، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد من السلف: إن هذه الآية نَسَخت الذي كان اللَّه قد أوجبه على المسلمين أولًا من قيام الليل. واختلفوا في المدة التي بينهما على أقوال كما تقدم.
وقد ثبت في الصحيحين
(32) أن رسول اللَّه
ﷺ قال لذلك الرجل: (
خمس صلوات في اليوم والليلة). قال: هل عليّ غيرها؟ قال: (
لا، إلا أن تَطّوّع).
[وقوله تعالى]
[3]: {
وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا}، يعني من الصدقات، فإن اللَّه يجازي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره، كما قال: {
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}.
تفسير ابن كثير - جـ ١٤(ص: ١٧٤)
وقوله: {
وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}، أي: جميع ما تقدموه بين أيديكم فهو لكم حاصل، وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي
(33): حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن
[1] الأعمش، عن إبراهيم، عن الحارث بن سُوَيد قال: قال عبد اللَّه: قال رسول اللَّه
ﷺ: (
أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ ) قالوا: يا رسول اللَّه، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه! قال: (
اعلموا ما تقولون). قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول اللَّه؟! قال: (
إنما مال أحدكم ما قَدّم ومال وارثه ما أخر).
ورواه البخاري
(34) من حديث حفص بن غياث، والنسائي من حديث []
[2] أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش له.
ثم قال تعالى: {
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، أي: أكثروا من ذكره واستغفاره في أموركم كلها، فإنه غفور رحيم لمن استغفره.
[آخر تفسير سورة المزمل، وللَّه الحمد].
* * *