الثلاثاء، 7 أكتوبر 2025

كرام النفوس

كرام النفوس


كانت عائلة في البلد، قد بقي منهم شاب يأوي إلى البيت وحده، فقال له شايب من جيرانه ألا تتزوج يا فلان؟ فقال الشاب : أنا ما أعرف أخطب وأستحي، فقال الشايب : أنا أخطب لك يا ولدي . فعمد الشيخ إلى رجل من أعيان الجماعة غني وله عائلة، فخطب منه ابنته للشاب، فأجاب الرجل، فرجع الشيخ إلى الشاب وأخبره، وطلب منه أن يعطيه الصداق (الجهاز) ليوصله إلى أبيها، ولكن الشاب دهش وتحير فكره، لأنه فقير جدا وهو يعرف هذه العائلة أنهم أغنياء، ليس به لياقة المجارات أحوالهم، ولا أحب أن يتنازل عن الموضوع فيوقع الشيخ ذاك الرجل الرفيع القدر، وفكر في رأي جيد لحل جاره بحرج، مع الموضوع، فقلل الصداق لأجل يزعلون ويرجعونه وينتقض الأمر بسهولة، فقال الشيخ: هذا الصداق قليل لا يصلح لمثل هذه العائلة الكبيرة ؟ هَاذَوْلا شُيُوخ يبغون على قدرهم ؟ فقال الشاب : هذا الميسور، إن كان ما أرضاهم يرجعونه، فحمله الشيخ وناوله أباها، فأخذه الرجل ولم ينظر قلته وكثرته، وجهزها من عنده، والشاب يود أنهم أرجعوه، ولكن الأمر قد سبق به القدر، فتزوجها وأتى بها إلى بيته، وإذا بيته خال من الطعام وغيره، فخجل منها لأنها أتت من بيت

غنی، فأخبرها أنه أراد التخلص من المسألة ولكن غلب القدر، فقالت: الحمد لله ما حصل إلا خير، لا يكربك الأمر، فالمال مثل الوبر (هو صوف الابل يحت وينبت ويبي يسهل الله كل أمر، فوسعت صدره وذهب عنه بعض ما يجد من الخجل والضيق، وأجهد نفسه يتستر عدة أيام ولكن ضاقت عليه الحال جدا، فقالت البنت: خلنا نروح للبر تحتطب وتشيله على رؤسنا : أنت تحمله بالبر وأنا أحمله للسوق أبيعه حيث أني امرأة لا أعرف، فذهبوا يحتطبون ويبيعون مدة فعاشوا وشبعوا، ولم يعلم بهم أحد . ثم جاء وقت الربيع، فجعلوا يعشبون عشب (علف مواشي هو يحمله من البر حتى البلد، وهي تحمله للسوق تبيعه، لأن العشب (العلف أكثر قيمة من الحطب .


وكان للبنت إخوة يشتغلون بالإبل بالبيع والشراء، جاء أخوها يوما يشتري علمًا لإبله، فعرفها وعرفته، وهي جالسة مع النساء متسترة، وكلمها ليشتري علفها ليتقن معرفتها، فسكتت رجاء ألا يعرفها، ولكنه تأكد من معرفتها، فغضب غضبا شديدا وأغضب إخوانه، وذهب إلى أبيه وقال: هذه فلانة تبيع علفًا في السوق مع النساء، فإذا كان زوجها فقير فلا هو كفء لها، حنَّا نحسبه غني، والآن لازم يطلقها، وكذا وكذا، فأسكته أبوه وقال: لا يتكلم أحد، واذهبوا إليهما الصباحواعز موهما (ادعوهم) للعشاء وسيكون خيرا إن شاء الله .


فالبنت وزوجها عرفوا المسألة، فأقاموا صباحهم لم يذهبوا على عادتهم، ينتظرون ماذا سيكون؟ فاستدعوهم للعشاء، فحضروا وتعشوا معهم، ولم يبدر كلام من أحد. فالرجل عنده أولاده الثلاثة وزوج  البنت، ثم استدعى الأم، فحضرت معهم فقال لهم الأب، كيف ترون لو أننا أحضرنا البنت فلانة هنا وخلعنا ثيابها جبريا فمن تستتر به؟ فقالت الأم : إنما تستتر بزوجها، فقال الأب لأولاده انظروا، واعرفوا أن الرجل قد ستر لكم عورة، وله عليكم حق المساعدة، وأنتم ما تعرفون عواقب الأمور أما سمعتم المثل : ( زوجوهن وأعينُوا عليهن)، فالان : قوموا احملوا لهم طعاما من هذا البيت، وأعطوه دراهما قرضة، يشتري ويبيع مع الناس بدون منة، حتى يغنيه الله إن شاء كما أغناكم، أو اتركوه يتطلب أسباب معيشته حيث تاحت له وتيسرت .


شعرا - قيل :


تلك المناقب لا تعبان من لبن


شيبا بماء فعادا بعد أبوالا


فيستفاد من هذا : أن الأشراف رجالاً ونساءً، وإن كانوا أغنياء، أكثر تحملاً ومروءة من صغار النفوس، وإن كانوا فقراء. (انتهى).










ليست هناك تعليقات:

هاجر وزمزم وبناء الكعبة

 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:   جاء إبراهيم عليه السلام بأم إسماعيل، وبابنها إسماعيل وهي ترضعه،   حتى وضعها عند البيت، عند دوحة فوق زمزم ...