الخميس، 8 نوفمبر 2012

الإيمان باليوم الآخر






الإيمان باليوم الآخر




يؤمن المسلم بأن لهذه الحياة الدنيا ساعة أخيرة تنتهي فيها، ويوماً آخراً ليس بعده من يوم ، ثم تأتي الحياة الثانية ، واليوم الآخر للدار الآخرة ، فيبعث الله سبحانه الخلائق بعثاً ، ويحشرهم إليه جميعاً ليحاسبهم فيجزي الأبرار بالنعيم المقيم في الجنة ، ويجزي الفجار بالعذاب المهين في النار .
وأنه يسبق هذا أشراط الساعة وأماراتها ، كخروج المسيح الدجال ، ويأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى – عليه السلام – وخروج الدابة ، وطلوع الشمس من مغربها ، وغير ذلك من الآيات ، ثم ينفخ في الصور نفخة الفناء والصعق ، ثم نفخة البعث والنشور ، والقيام لرب العالمين ، ثم تعطى الكتب ، فمن آخذ كتابه بيمينه ، ومن آخذ كتابه بشماله ويوضع الميزان ، ويجري الحساب ، وينصب الصراط ، وينتهي الموقف الأعظم باستقرار أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، وذلك للأدلة النقلية والعقلية التالية :
الأدلة النقلية :
1 _ إخباره تعالى عن ذلك في قوله : ( كل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) وفي قوله : ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفئن مت فهم الخالدون ؟ كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) وفي قوله : ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير ) وفي قوله : ( ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ) وفي قوله : ( وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير ) وفي قوله : ( إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان مالها يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) وفي قوله لا إله إلا هو : ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك ، يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ) وفي قوله جل جلاله : ( وإذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) وفي قوله (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة ابصار الذين كفروا ) وفي قوله تعالى : ( ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خيرٌ أم هو ؟ ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها ) وقوله سبحانه : ( ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ) وفي قوله عز وجل (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) وفي قوله سبحانه (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافية فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابية إني ظننت أني ملاقٍ حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوتى كتابية ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني مالية هلك عني سلطانية خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين ) وفي قوله تعالى : ( فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثياً ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً )
2 _ إخباره صلى الله عليه وسلم في قوله : ( لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني كنت مكانه ) وفي قوله : ( إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات : خسفٌ بالمشرق وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ في جزيرة العرب والدخان والدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس ونزول عيسى بن مريم ) وفي قوله : ( يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض من في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً فيتمثل لهم الشيطان فيقول : ألا تستجيبون ؟ فيقولون فماذا تأمرنا ؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دارٌ رزقهم ، حسن عيشهم ، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحدٌ إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً ، وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله . قال : فيصعق ويصعق الناس ثم ينزل مطراً كأنه الطل ، فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى ، فإذا هم قيام ينظرون ثم يقال : أيها الناس ، هلم إلى ربكم وقفوهم إنهم مسؤولون ، ثم يقال : أخرجوا بعث النار ، فيقال : من كم ؟ فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعةً وتسعين ، فذلك يوم يجعل الولدان شيباً وذلك يوم يكشف عن ساق ) .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ) . وفي قوله : ( ما بين النفختين أربعون ، ثم ينزل الله من السماء ماءً فينبتون كما ينبت البقل ، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب ، ومنه يركَّب الخلق يوم القيامة ) ، وفي قوله وهو يخطب : ( أيها الناس إنكم محشورون إلى ربكم حفاة عراة غرلاً ، ألا وإن أول الخلق يكسى إبراهيم عليه السلام ، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتى فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول يا رب أصحابي ، فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) ، وفي قوله : ( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه ما عمل به ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن جسده فيما أبلاه ) . وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن ، وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم السماء ، من شرب منه لا يظمأ أبدا ) وفي قوله لعائشة رضي الله عنها لما ذكرت النار بكت : ( ما يبكيك ؟ قالت : ذكرت النار فبكيت ، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة ؟ فقال : أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحدٌ أحداً عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل ؟ وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله أم وراء ظهره ؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حتى يجوز ) وفي قوله : ( لكل نبي دعوةٌ قد دعاها لأمته ، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي ) . وفي قوله : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأنا أول من تشقق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر ، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر ) وفي قوله : ( من سأل الجنة ثلاث مرات ، قالت الجنة اللهم أدخله الجنة ، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار ) .
3 _ إيمان الملايين من الأنبياء والمرسلين والحكماء والعلماء والصالحين من عباد الله باليوم الآخر وبكل ما ورد فيه وتصديقهم الجازم به .
الأدلة العقلية :
1 _ صلاح قدرة الله لإعادة الخلائق بعد فنائهم ، إذ إعادتهم ليست بأصعب من خلقهم وإيجادهم على غير مثال سابق .
2 _ ليس هناك ما ينفيه العقل من شأن البعث والجزاء ، إذ العقل لا ينفي إلا ما كان من قبيل المستحيل كاجتماع الضدين ، أو التقاء النقيضين ، والبعث والجزاء ليسا من ذلك في شيء .
3 _ حكمته تعالى الظاهرة في تصرفاته في مخلوقاته ، والبارزة في كل مظهر ومجال من مجالات الحياة ومظاهرها تخيل عدم وجود البعث للخلق بعد موتهم ، وانتهاء أجل الحياة الأولى وجزائهم على أعمالهم من خير وشر .
4 _ وجود الحياة الدنيا وما فيها من نعيم وشقاء ، شاهد على وجود حياة أخرى في عالم آخر يوجد فيها من العدل والخير والكمال ، والسعادة والشقاء ما هو أعظم وأفضل بكثير ، بحيث أن هذه الحياة وما فيها من سعادة وشقاء لا تمثل من تلك الحياة إلا ما تمثل صورة قصر من القصور الضخمة ، أو حديقة من الحدائق الغناء على قطعة ورق صغيرة .
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وجوارك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الإيمان بالقرآن الكريم





الإيمان بالقرآن الكريم




يؤمن المسلم بأن القرآن الكريم كتاب الله أنزله على خير خلقه ، وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، كما أنزل غيره من الكتب على من سبق من الرسل ، وأنه نسخ بأحكامه سائر الأحكام في الكتب السماوية السابقة كما ختم برسالة صاحبه كل رسالة سالفة .
وأنه الكتاب الشامل لأعظم تشريع رباني ، تكفل منزله لمن أخذ به أن يسعد في الحياتين ، وتوعد من أعرض عنه فلم يأخذ به بالشقاوة في الدارين ، وأنه الكتاب الوحيد الذي ضمن الله سلامته من النقص والزيادة ، ومن التبديل والتغيير وبقاءه حتى يرفعه إليه عند آخر أجل هذه الحياة . وذلك للأدلة النقلية والعقلية التالية :
الأدلة النقلية :
1 _ إخباره تعالى بذلك في قوله : ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ) وفي قوله : ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) وفي قوله عز وجل : ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً ) . وفي قوله : ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير ، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) . وفي قوله : ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى ) وفي قوله عز وجل : ( كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) وفي قوله سبحانه : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) .
2 _ إخبار رسوله المنزل عليه صلى الله عليه وسلم في قوله : ( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ) وفي قوله : ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) وقوله : ( لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ) وقوله : ( ما من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي ، فأرجو ان أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ) وفي قوله : ( لو كان موسى أو عيسى حياً لم يسعه إلا اتباعي ) .
3 _ إيمان البلايين من المسلمين بأن القرآن كتاب الله ووحيه أوحاه إلى رسوله ، واعتقادهم الجازم بذلك مع تلاوتهم وحفظ أكثرهم له وعملهم بما فيه من شرائع وأحكام .
الأدلة العقلية :
اشتمال القرآن الكريم على العلوم المختلفة الآتية ، مع أن صاحبه المنزل عليه أمي لم يقرأ ولم يكتب قط ، ولم يسبق له أن دخل كُتاباً ولا مدرسة البتة :
1 _ العلوم الكونية .
2 _ العلوم التاريخية .
3 _ العلوم التشريعية والقانونية .
4 _ العلوم الحربية والسياسية .
فاشتماله على هذه العلوم المختلفة دليل قوي على أنه كلام الله تعالى ووحي منه ، إذ العقل يحيل صدور هذه العلوم عن أمي لم يقرأ ولم يكتب قط .
2 _ تحدي الله منزله الإنس والجن على الإتيان بمثله بقوله : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) . كما تحدى فصحاء العرب وبلغائهم على الإتيان بعشر سور من مثله ، بل بسورة واحدة فعجزوا ولم يستطيعوا .
فكان هذا أكبر دليل وأقوى برهان على أنه كلام الله وليس من كلام البشر في شيء .
3 _ اشتماله على أخبار الغيب العديدة ، والتي ظهر بعضها طبق ما أخبر بلا زيادة ولا نقصان .
4 _ ما دام قد أنزل الله عز وجل كتباً أخرى على غير محمد صلى الله عليه وسلم كالتوراة على موسى ، والإنجيل على عيسى عليهما السلام ، لم ينكر أن يكون القرآن قد أنزله الله تعالى ، كما أنزل الكتب السابقة له ؟ . وهل العقل يحيل نزول القرآن أو يمنعه ؟ . لا .. بل العقل يحتم نزوله ويوجبه .
5 _ قد تتُبِّعت تنبؤاته فكانت وفق ما تنبأ به تماماً ، كما قد تتبعت أخباره فكانت طبق ما قصه واخبر به سواءً بسواءٍ ، كما جربت أحكامه وشرائعه وقوانينه فحققت كل ما أريد منها من أمن وعزة وكرامة ، وعلم وعرفان يشهد بذلك تاريخ دولة الراشدين رضوان الله عليهم .
وأي دليل يُطلب بعد هذا على كون القرآن كلام الله ووحيه أنزله على خير خلقه وخاتم أنبيائه ورسله ؟ .
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وجوارك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الأربعاء، 7 نوفمبر 2012

الإيمان بالقضاء والقدر






الإيمان بالقضاء والقدر




يؤمن المسلم بقضاء الله وقدره وحكمته ومشيئته ، وأنه لا يقع شيء في الوجود حتى أفعال العباد الإختيارية إلا بعد علم الله به وتقديره ، وأنه تعالى عدل في قضائه وقدره ، حكيم في تصرفه وتدبيره ، وأن حكمته تابعة لمشيئته ، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، ولا حول ولا قوة إلا به تعالى ، وذلك للأدلة النقلية والعقلية التالية :
الأدلة النقلية :
1 _ إخباره تعالى عن ذلك في قوله : ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) وقوله عز وجل : ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) وفي قوله : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ) وفي قوله : ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ) وقوله : ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) وقوله : ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) وفي قوله عز وجل : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) وقوله : ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) وقوله : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) وفي قوله : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) وفي قوله : ( وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ) .
2 _ إخبار رسوله صلى الله عليه وسلم عن ذلك في قوله : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفةً ، ثم يكون علقةً مثل ذلك ، ثم يكون مضغةً مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه ، وأجله وعمله وشقيٍ أو سعيد ، فوالذي لا إله غيره ، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) ، وفي قوله عليه السلام لعبد الله بن عباس : ( يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك ، إحفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على ان ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) ، وفي قوله : ( إن اول ما خلق الله تعالى القلم فقال له أُكتب ، فقال : رب ، وماذا أكتب ؟ قال : أُكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ) ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( احتج آدم وموسى ، قال موسى : يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال آدم : أنت موسى اصطفاك الله بكلامه ، وخط لك التوراة بيده تلومني على أمرٍ قدره الله على قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فحج آدم موسى ) وفي قوله عليه السلام في تعريف الإيمان : ( أن تؤمن بالله وملائكته ، وكتبه ورسله ، واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ) ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن النذر لا يرد قضاءً ) وفي قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن قيس : ( يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمةً هي من كنوز الجنة ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله ) وفي قوله صلى الله عليه وسلم لمن قال : ما شاء الله وشئت ( قل ما شاء الله وحده ) .
3 _ إيمان مئات الملايين من أمة محمدصلى الله عليه وسلم من علماء وحكماء وصالحين وغيرهم بقضاء الله تعالى وقدره ، وحكمته ومشيئته ، وأن كل شيء سبق به علمه ، وجرى به قدره ، وأنه لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، وأن ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وأن القلم جرى بمقادير كل شيء إلى قيام الساعة .
الأدلة العقلية :
1 _ إن العقل لا يحيل شيئاً من شأن القضاء والقدر ، والمشيئة ، والحكمة ، والإرادة ، والتدبير ، بل العقل يوجب كل ذلك ويحتمه ، لما له من مظاهر بارزة في هذا الكون .
2 _ الإيمان به تعالى وبقدرته يستلزم الإيمان بقضائه وقدره وحكمته ومشيئته .
3 _ إذا كان المهندس المعماري يرسم على ورقة صغيرة رسماً لقصر من القصور ، ويحدد له زمن إنجازه ، ثم يعمل على بنائه فلا تنتهي المدة التي حددها حتى يخرج القصر من الورقة إلى حيز الوجود ، وطبق ما رسم على الورقة بحيث لا ينقص شيء وإن قل ، ولا يزيد ، فكيف ينكر على الله أن يكون قد كتب مقادير العالم إلى قيام الساعة ، ثم لكمال قدرته وعلمه يخرج ذلك المقدر طبق ما قدره في كميته وكيفيته ، وزمانه ومكانه ومع العلم بأن الله تعالى على كل شيء قدير .
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وجوارك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الإيمان بالرسل







الإيمان بالرسل




يؤمن المسلم بأن الله تعالى قد اصطفى من الناس رسلاً وأوحى إليهم بشرعه وعهد إليهم بإبلاغه لقطع حجة الناس عليه يوم القيامة وأرسلهم بالبينات وأيدهم بالمعجزات ، وابتدأهم بنبيه نوح وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم .
وأنهم وإن كانوا بشراً يجري عليهم الكثير من الأعراض البشرية فيأكلون ويشربون ، ويمرضون ويصحون ، وينسون ويذكرون ، ويموتون ويحيون ، فهم أكمل خلق الله تعالى على الإطلاق وأفضلهم بلا استثناء ، وأنه لا يتم إيمان عبد إلا بالإيمان بهم جميعاً جملة وتفصيلا ، وذلك للأدلة النقلية والعقلية الآتية :
الأدلة النقلية :
1 _ إخباره تعالى عن رسله وعن بعثتهم ورسالاتهم في قوله : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) وفي قوله ( الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير ) وفي قوله ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً ) وفي قوله( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) وفي قوله : ( وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) وفي قوله ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) وفي قوله ( ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم ) الآية، وفي قوله : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذاباً أليما ) .
2 _ إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن إخوانه من الأنبياء والمرسلين في قوله : ( ما بعث الله من نبي إلا أنذر قومه الأعور الكذاب ) (المسيح الدجال) وفي قوله : ( لا تفاضلوا بين الأنبياء ) وفي قوله لما سأله أبو ذر عن عدد الأنبياء والمرسلين منهم فقال : ( مائة وعشرون ألفاً والمرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ) وفي قوله : ( والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني ) وفي قوله : ( ذاك إبراهيم ) (لما قيل له يا خير البرية تواضعاً منه صلى الله عليه وسلم ) . وفي قوله ( ما كان لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى ) ، وفي إخباره صلى الله عليه وسلم عنهم ليلة الإسراء إذ جمعوا له هناك ببيت المقدس وصلى بهم إماماً لهم ، كما أنه وجد في السموات يحيى وعيسى ويوسف وإدريس وهارون وموسى وإبراهيم ، وأخبر عنهم وعما شاهده من حالهم.
وفي قوله : ( وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ) .
3 _ إيمان البلايين من البشر من المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب من يهود ونصارى برسل الله وتصديقهم الجازم برسالاتهم واعتقادهم كمالهم ، واصطفاء الله لهم .
الأدلة العقلية :
1_ ربوبيته ورحمته تعالى ، تقتضيان إرسال رسل منه إلى خلقه ليعرفوهم بربهم ، ويرشدوهم إلى ما فيه كمالهم الإنساني ، وسعادتهم في الحياتين الأولى والثانية .
2 _ كونه تعالى خلق الخلق لعبادته إذ قال عز وجل : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ، فهذا يقتضي اصطفاء الرسل وإرسالهم ليعلموا العباد كيف يعبدونه تعالى ويطيعونه ، إذ تلك هي المهمة التي خلقهم من أجلها .
3 _ إن كون الثواب والعقاب مرتبين على آثار الطاعة والمعصية في النفس بالتطهير والتدسية أمر يقتضي إرسال الرسل ، وبعثة الأنبياء ، لئلا يقول الناس يوم القيامة : إننا يا ربنا لم نعرف وجه طاعتك حتى نطيعك ، ولم نعرف وجه معصيتك حتى نتجنبها ، ولا ظلم اليوم عندك ، فلا تعذبنا ، فتكون لهم الحجة على الله تعالى . فكانت هذه حالاً اقتضت بعثة الرسل لقطع الحجة على الخلق ، قال تعالى : ( رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً ) .
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وجوارك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم





محمد رسول الله
صلى الله عليه وسلم




هذه الكلمة هي الشهادة الثانية، وتعني أن محمداً صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه بالرسالة الخاتمة ، التي نسخت جميع الرسالات السابقة وهي الرسالة الشاملة لجميع ماتحتاجه الحياة الدنيا ، وجميع مايوصل إلى رحمة الله سبحانه وتعالى . وهي الرسالة المرنة التي تتوافق وتتلاءم مع جميع الظروف والأحوال .فتعني شهادة أن محمداً رسول الله :أنه صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل ، وكتابه خاتم الكتب وخيرها ، وتعني الإيمان بجميع الرسل والكتب السابقة ، فرسالة الإسلام مصدقة لها غير مكذبة . وتعني هذه الشهادة : أن محمداً صلى الله عليه وسلم بشر خلقه كبقية البشر ، لكن الله فضله عليهم بالنبوة والرسالة ، كما فضل الأنبياء السابقين على أقوامهم بالنبوة والرسالة أيضاً . قال تعالى : (( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد )) [الكهف ، الآية : 110] ، فهو صلى الله عليه وسلم بشر لايملك لنفسه ضراً ولانفعاً إلا ماشاء الله ، ولايعلم الغيب إلا ماأطلعه الله عليه ، يصيبه مايصيب غيره من الناس من الأمراض والأوجاع ليرفع له في درجاته ، وليكون أسوة لمن بعده من أتباعه ، وليعلم الناس أنه بشر لايملك لنفسه ضراً ولانفعاً ، فلا يقدس فيجعل رباً وإلهاً كما غلت النصارى في المسيح فجعلوه إلهاً ، ومنهم من جعله ابناً للرب سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً ، قال تعالى : (( قل لاأملك لنفسي ضراً ولانفعاً إلا ماشاء الله ، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ومامسني السوء ، إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون )) [ سورة الأعراف ، الآية : 188] . وقال تعالى : (( قل إني لاأملك لكم ضراً ولا رشداً . قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً )) [الجن ، الآيتان : 21-22 ].
وتعني شهادة أن محمداً رسول الله أنه عليه الصلاة والسلام معصوم عن الكذب وعن الخطأ في كل مايبلغه عن ربه ، فهو الصادق المصدوق ، قد شهد له بها قومه الذين هم أدرى الناس به قبل أن ينزل عليه الوحي ، وشهد له بعد ذلك جميع الناس بصدق الحديث والوعد ، ومازال النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم مضرب المثل عبر أجيال العالم بالصدق والأمانة والإخلاص .
وتعني شهادة أن محمداً رسول الله : أنه صلى الله عليه وسلم نزل عليه الوحي من ربه بواسطة جبريل عليه السلام ، فبلغه تبليغاً كاملاً لا نقص فيه ولا خلل ، ومازال القرآن المعجز ظاهراً بين الناس دون أي تحريف أو تبديل بخلاف الكتب الأخرى ، فإن أصحابها ضيعوها ولم يرعوها حق رعايتها ، فدخلها التحريف والتبديل ، والتناقض والتعارض .
وتعني هذه الشهادة أنه صلى الله عليه وسلم له سنة وطريقة وهدي ( وهي ما كان من كلامه وأمره ونهيه وإرشاده ، وهي غير القرآن الذي هو من كلام الله تعالى ) وأن هذه السنة محفوظة بحفظ الله لهذا الدين ، شرحت القرآن وبينته ، واستقلت بأحكام أخرى ، وذلك بإذن الله له في ذلك .
وهذه الشهادة تتضمن الإيمان بما أتى به صلى الله عليه وسلم من معجزات كثيرة ، وأعظمها القرآن الكريم الذي أعجز العرب وهم أهل الفصاحة والبيان أن يأتوا بمثله . ومن هذه المعجزات : انشقاق القمر في عهده صلى الله عليه وسلم حتى رآه الناس فلقتين ، ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة ، والدعاء بتكثير الطعام وحصول ذلك ، وتسليم الحجر عليه في مكة ، وحنين جذع النخل لأنه صلى الله عليه وسلم ترك الخطبة عليه ، فتأثر ذلك الجذع من ترك النبي صلى الله عليه وسلم له . ومنها الإخبار عن بعض المغيبات التي أطلعه الله عليها ، فكانت كما أخبر صلى الله عليه وسلم . فدل ذلك على صدقه فيما أخبر به عن ربه عز وجل .
ومن مقتضيات هذه الشهادة أن يؤمن العبد بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه بصدق فيما جاء به من الشرع عن ربه مخلصاً في هذا الاتباع ، لا يريد عرضاً زائلاً من الدنيا ، ولا يتكبر عليه ، وأن يصدقه فيما أخبر به عن الله سبحانه ، وأن يحبه حباً يفوق حبه لنفسه أو لماله أو لأحد من العالمين .
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وجوارك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم







نبي الإسلام محمد

صلى الله عليه وسلم



هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي من ولد عدنان وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، اصطفاه الله سبحانه على الناس كافة فشرّفه بالرسالة الخـاتمة، حيث اختاره سبحانه وتعالى من بين العالمين (( الله أعلم حيث يجعل رسالته )) [ الأنعام:124 ] .
ولد بمكة عام الفيل سنة 571م يتيماً، فرباه جده عبد المطلب، إلى سن الثامنة، حيث مات عبد المطلب، فرباه عمه أبو طالب.
ولما كبر اشتغل برعي الغنم والتجارة، فظهرت البركة في تجارته وسعيه، وظهرت الأمانة في معاملته، وكان صادق الحديث والوعد، فلُقِّب بالصادق الأمين، ثم حُبب إليه التعبد والخلوة بنفسه، فكان يذهب إلى غار حِراء، حتى أتاه الوحى بعدما أكمل أربعين سنة، فأمره الله تعالى بتبليغ رسالة الإسلام سراً ثم جهراً .
فامتثل صلى الله عليه وسلم ما أمره الله به، فكان يدعو القريب والبعيد، حتى أوذي في الله، وعارضه أقرباؤه، منهم عمه أبو لهب، واتهموه بالكذب وقد كان أصدق الناس صلى الله عليه وسلم واتهموه بالجنون وهو أعقل الناس، فانقلبت الموازين عند المشركين، فصاروا يعادونه بعد ما كانوا يعترفون له بالصدق والإخلاص ورجاحة العقل، وتآمروا لقتله فعصمه الله تعالى قال تعالى : (( يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس )) [ المائدة : 67 ] .
وبعد ثلاثة عشر سنة من الدعوة إلى الله في مكة، أذن الله سبحانه لنبيه بالهجرة إلى المدينة المنورة، ( وهو ما يعرف بالعهد المدني ) وكان قد مهّد النبي صلى الله عليه وسلم لذلك حيث كان له أتباع، يأتون موسم الحج فيدعوهم ويعلمهم تعاليم الإسلام، وأرسل بعض الصحابة إليهم ليعلموهم أمر دينهم، وليدعو أهل المدينة إلى الإسلام، فلما هاجر إلى المدينة وجد عند أهلها قبولاً وترحيباً واشتياقاً، فسكن المدينة ومكنه الله فيها، وأصبحت مستقره إلى أن توفي فيها صلى الله عليه وسلم .
ولما هاجر إلى المدينة المنورة انتشر الإسلام انتشاراً كبيراً، فأظهر ناس الإسلام كذباً ونفاقاً وهم الذين عرفوا بالمنافقين، فكانوا يتآمرون مع اليهود الذين كانوا في المدينة للمكر بالنبي صلى الله عليه وسلم ولقتله .
وفي العهد المدني خاض الرسول صلى الله عليه وسلم جميع معاركه مع المشركين ، الذين آذوه واخرجوه والمسلمين من دياره ، ولم يكتفوا بذلك بل جاءوا إلى المدينة ليقتلوه وساعده في ذلك اليهود . وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض المناطق والقرى حوله ، بعدما دعاهم للإسلام وأبوا ، وكانت كل المعارك الكبرى والصغرى لصالح الإسلام والمسلمين ، ثم أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل الرسل للقبائل ويدعوهم للإسلام ، ويراسل الملوك الكبار يدعوهم للإسلام والدخول فيه مع شعوبهم .
ومع ذلك ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم معلماً وداعياً ذا خلق عظيم وكرم لا مثيل له ، فقال تعالى عنه : (( وإنك لعلى خلق عظيم ))[ سورة القلم ] حتى انتشر الإسلام في كثير من القبائل ، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قد انتشر صيته وقويت شوكته ، ثم حمل المسيرة من بعده أصحابه يبلغون ما أمرهم الله بتبليغه عن رسوله صلى الله عليه وسلم . حتى وصل إلينا الإسلام صافياً وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم معنا ، فالقرآن محفوظ وسنته محفوظة إلى يوم القيامة فله الحمد والشكر .
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وجوارك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

لا إله إلا الله






لا إله إلا الله






أعظم كلمة قالها إنسان ، وهي الحد الفاصل بين الكفر والإيمان، بها أرسلت الرسل، ولبيانها أنزلت الكتب، فمن قالها مخلصاً من قلبه دخل الجنة، ومن تكبر عنها دخل النار نعوذ بالله من النار .
فمعناها : أنه لا أحد يستحق أن يكون إلهاً إلا الله سبحانه ، فلا معبود بحق إلا هو سبحانه ، فهو الخالق البارئ المصور ، وهو المدبر لأمورالكون ، ومقدر لمقادير الخلق ، وهو الضار النافع ، بيده ملكوت كل شيء وهو السميع المجيب ، يسمع دعاء السائلين ، ويجيب نداء المضطرين ، وليس أحد يفعل ذلك إلا هو سبحانه وتعالى ، فكيف لا يعبد وهذه صفاته ، بل كيف يجحد وهو الذي خلق الجاحد من عدم ، وأنشأه صغيراً وهداه حتى ثدي أمه التقم ، ولما كبر أعطاه القوى ليكسب من الحياة ما يقوى به على المعاش .
وكيف يشرك به ويعبد غيره ، وغيره لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، ولا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، فمن صرف العبادة لغيره فقد جعل حق الله لغيره وهذا هو الشرك بالله.
وهي ذات شقين : النفي والإثبات ، نفي أن يستحق الإلهية أحد غير الله ، وإثبات إستحقاق الإلهية والعبودية لله سبحانه وتعالى وحده .
ولها شروط سبعة :
1 _ العلم : بأن يعلم معناها وما تضمنته من توحيد ونفي للشرك .
2 _ اليقين : بأن يوقن بما علم مما تضمنته ولا يشك في شىء منها .
3 _ القبول : أي يقبل ما تضمنته هذه الكلمة من توحيد ونبذ للشرك ولا يتكبر عما فيها .
4 _ الإنقياد : أن يعمل بما تقتضيه من توحيد واتباع للشرع الحنيف .
5 _ الصدق : أن يصدق في قولها والإعتقاد والعمل بما فيها .
6 _ الإخلاص : أن يقولها بنية خالصة ، لا يريد بذلك عرضاً من الدنيا ، وأن يكون عمله بما فيها مقروناً بالإخلاص .
7 _ المحبة : أن يحب هذه الكلمة ، وما تقتضيه من توحيد وعمل .
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحيينا عليها ويميتنا عليها .آمين .

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وجوارك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

تفسير سورة المزمل ابن كثير

  تفسير ابن كثير - جـ ١٤ ( ص: ١٦٠ ) ‌ ‌تفسير سورة المزمل وقوله مكية قال الحافظ أبو بكر بن عمرو بن عبد الخالق البزار (1) : حدثنا محمد بن موسى...