الأحد، 25 نوفمبر 2012

حتى يأتيك اليقين








حتى يأتيك اليقين   





    نادرة تلك المواقف التي تمتزج فيها الدمعة بالبسمة ، يورق فيها شجر الحزن ، وتزهر فيها أزاهير السرور .. يختلط فيها نشيد الفرح بنشيج الحزن ..
جاء ذلك اليوم بيد أنه لم يكن كسابقه من الأيام ، جاء ليزف لنا البشرى ... بشرى رقيك  وسموك ...
كم أرقَّه ذلك النداء : " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم  .
  كم من الاهتمامات ازدحمت في قلبك العليل : ابنك الصغير .. العائلة ميسورة الحال .. الوظيفة ... الدعوة ...  الدعوة ... نعم إنها هي ، فلم نرك إلا سباقاً لها ..
كنت - فقط – تزرع أشجار العطاء ... تسقي أرضاً جدباء ، فتغدوا أرضاً مخضرة بإذن ربها ...
تبذر البذور على الصخور ونظرك لأعلى قد تعودت التفاؤل في السير على هذا الطريق المعشوش  بالأجر ..
 همك سعاد الإنسان أينما ارتحلت ... وحيثما حللت ،  ولا سعادة إلا بالإيمان ... كم قلب ضامئ أرويته ... كم روح تائهة في دياجير الأهواء كنت مناراً وفناراً لها .. لكن ! ما بال القلب ؟!  أهو العطب ؟!
 كان يقتات المعاناة جلداً ، ويحتسى مرارة الألم صابراً ، وتزيده صفاءً ونقاءً . .
أخبروه أن القلب عليل .. . بيد أنه لم يفتأ في التقاط أشلاء النفس المبعثرة ليجعل منها عبداً  لبارئها ..
يتحسس حطام القلوب والأرواح .. يجمعها من جديد ليؤلف منها " صالحاً "  بما تعني الكلمة من معنى ...
يزدد خفقان القلب .. ينقبض .. يضيق .. ، وما يزال مستمراً  على الدرب ، يد ترشد وتعلم ، وأخرى على القلب ... آلام شديدة ... لكنها لا تظهر على صفحة الوجه .. فلا مكان إلا للبسمة .. أما مكان تكسر الآهات والأنات ففي الصدر فقط .

" لا بد للسفر إلى لندن " قال الأخصائي ..
وبسرعة لاح في خاطره : " هناك كثير عطشى .. جوعى للنور .. إذن فلأبدأ ومن الآن " .
كتب بلغات مختلفة ... أشرطة لمحاضرين ودعاة .. كان هذا ( عشقه )  .
 وخلال مدة علاج قلب مجروح ، تدب الحياة في قلب ميت ، يولد أحد القوم هناك ،يخرج من رحم الظلمة إلى فسحة النور .. لكن القلب الأول بدأ يذوي ، يخفف نوره ، وعلى ذلك السرير كانت النهاية ، وما أجملها من نهاية :
عشر تشهدات نطق بها لطالما أرقه عدم انتشارها ...
ويفارق الدنيا مبتسماً كما عهدناه ، وماذا يهمه وقد نطق بالشهادة عشر مرات ..فيا له من فراق ....
همة في صدره تلتهبُ          من جراح المسلمين المفجعة
راعف الجرح وحيداً سامقاً    عُمرى العزم لا يرضى الدعة
يقتضي آثار جيل خالدٍ         ساق للدنيا الهدي والمنفعة
وتغادرنا ، بيد أن صورتك ما تزال شاخصة أمامي تصرخ بي :
 حتى متى هذا الجفاء ؟ ! .
حتى متى هذا التردد والعناء ؟!   حتى متى هذا الشقاء ؟!  حتى متى يا قلب تغشاك الظنون ؟!  الناس في محراب لذات الدنايا عاكفون .. حتى متى ؟!  .. وإلي متى يل قلب تغشاك الظنون ؟! .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان آخر كلام لا إله إلا الله دخل الجنة    
 

نهايـــــــــة مؤلــــــــمة








نهايـــــــــة مؤلــــــــمة  




 في ليلة من ليلي الربيع المقمرة ، جلس مجموعة من الشباب الصالحين على كثبان  الرمل في منطقة معروفة ، وبينما هم يتجاذبون أطراف الحديث إذ سمعوا صوتاً مفزعاً ، تبعه دوي هائل اشتعلت على إثره النيران ... نظروا باتجاه الصوت ، فرأوا ناراً تشتعل ... انطلق اثنان منهم مسرعين صوب النار حتى وصلا إلى الشارع العام ، فوجدا سيارتين محطمين إحداهما تحترق وقد أخرج منهما رجلان : أحدهما قد فارق الحياة ، والآخر ما زال يلفظ أنفاسه الأخيرة ... حملاه إلى أقرب مركز صحي أملاً في إنقاذه ، لكن الأجل لم يمهله ففارق الحياة وهم في الطريق ..
 ليس هذا هو المؤلم ، فإن الآجال محدودة ، والأنفاس معدودة ، وقد اعتاد الناس سماع مثل هذه الأخبار والحوادث ؛ ولكن المؤلم أن اللذان لقيا حتفهما كانا ... مخمورين ... نعم ، مخمورين كما يقال – حتى الثمالة ... نعوذ بالله من ميتة السوء .
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة قد حرّم الله عليهم الجنة : مدمن الخمر ، والعاق ، والديوث الذي يُقرُّ في أهله الخبث 

 

صريع المال والسرطان




صريع المال والسرطان 



 

 

  " " يا رب ، هات مليون جنيه وهات معه سرطان " (!)  ... كان هذا دعاؤه الذي يردده في كل مجلس ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : " تعس عبد الدينار ،  تعس عبد الدرهم .. " إنه يتحدث عن هذا الصنف من الناس .
" يا رب ، هات مليون جنيه وهات معه سرطان ،كان يرددها على مسمع من زملائه ، فيضحك بعضهم ، ويمتعض آخرون ، ويحذرونه  من مغبة قوله هذا ...ولكن :
يُقضى على المرء في أيامه محنته
                       حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن .

كان يطمح أن يكون غنياً ، فبدأ بالفعل ودخل عالم الفن ، وشق طريقه نحو الشهرة ، ولم تمض سنوات معدودة حتى نال ما تمناه من الشهرة والمال ،وامتلك واحدة من أكبر العمارات بمصر وهي  عمارة " الايموبيليا " الشهيرة ، وتحقق ما كن يطلبه من الثراء ، وكلن بقي الشق الآخر مما كان يطلبه ، وهو السرطان ..فأبى الله عز وجل إلا أن يريه دلائل قدرته سبحانه ، ويلقنه – وغيره-  درساً لا يُنسى أبداً .  
   ويُصاب بالسرطان كما كان يتمنى ، ويراه الناس واقفاً أمام عمارته الكبيرة هزيلاً باكياً يتمنى العافية ويردد متحسراً  : " يا رب خذ مني كل شيء وأعطني الصحة والعافية " ، وصدق اللهُ القائل : ( قتل الإنسانُ ما أكفره ) .

   
 

حامـــلـة القرآن





حامـــلـة القرآن






خرجت من دار تحفيظ القرآن الكريم .. كانت تحمل في يدها كتاب ربها ، وفي يدها الأخرى طبقاً خيرياً ... وقبل ذلك وبعده تحمل في قلبها همّ الإسلام ، وهمّ إخوتها المسلمين ...
لم تشتر الطبق الخيري لتأكله ، وإنما لتنفق من مالها في سبيل الله ... لتتذكر وهي تأكله إخوانها المسلمين في شتى بقاع الأرض .. وما يعانونه من بؤس وجوع وألم ولعل الله أراد أن يكون شاهداً لها يوم القيامة ...
خرجت من تلك الدار العامرة لتتخطفها يد المنون ... ليختارها الله إلى جواره – نحسبها كذلك ، ولا نزكي على الله أحداً ... سيارة مسرعة يمتطيها سائق متهور تحطم ذلك الجسد الطاهر .... تطرحه أرضاً ... ويهتز المصحف في يدها ، ويتناثر الطبق الخيري .. والقلب لا يزال ينبض بالحياة ...
وتنقل إلى المستشفى وهي في حالة خطرة ... كان ذلك يوم الأحد ، وفي يوم الجمعة تخرج روحها إلى بارئها ..
رحمكِ الله يا حاملة القرآن ، لم تحملي شريطاً  ماجناً ، ولا مجلة ساقطة ... ولا خرجت من مرقص أو ملهى ، أو سوق تتسكعين فيه متبرجة سافرة . وإنما خرجتِ  من روضة القرآن .. يا حملة القرآن .. هنيئاً لك بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم :
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر   فنامي آمنة مطمئنة  ...

 

اليد الطاهرة









اليد الطاهرة





كان يعمل في إحدى الجهات المشبوهة في وظيفة مرموقة ، وبراتب مجز يتجاوز العشرة آلاف ريال ، وفي يوم من الأيام أصابته صحوة ضمير ، فاتصل بأحد العلماء  الجلاء يسأله عن عمله ذلك أحلال هو أم حرام ، فأجابه الشيخ بأن عمله المذكور حرام ، وأن عليه أن يتركه ويبحث عن عمل آخر .. لم يتردد في ترك العمل الحرام ، والبحث عن عمل آخر حلال ، ولو براتب أقل ، المهم أن يأكل حلالاً ، ويطعم أولاده الحلال ، ووجد عملاً .

كان ذلك في شهر رمضان المبارك ، ومضى شوال وذو العقدة ، وفي غرة شهر ذي الحجة عزم على الحج ، ومضى ... وفي الميقات خلع ثيابه ولبس ملابس الإحرام ، وانطلق ملبياً مع ضيوف الرحمن الذين جاءوا من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات  .. . وفي عرافات ، وما أدارك ما عرفات ، يوم يباهي الله بعباده ملائكته .. وقف هذا الرجل تحت أشعة الشمس الحارقة يسقي الحجاج بيده ، ماء بارداً سبيلاً سلسبيلاً ،  يبتغي بذلك الأجر والثواب من الله الكريم المنان ، وبينا هو كذلك إذ فاضت روحه على ذلك الصعيد الطيب ، صعيد عرفات .. لقد شاء الله عز وجل أن يختاره في ذلك اليوم الكريم ، وفي هذه المناسبة العظيمة ، ليُبعث يوم القيامة ملبياً  كما جاء في الحديث    يده التي كان يكتب  بها الحرام ، تحولت إلى يد طاهرة كريمة تحمل الماء العذب الرقراق لأكرم الضيوف وفي أطهر البقاع ، إنه فضل الله يؤتيه من يشاء ، ويمن به على من اختار طريق الخير  على طريق الشر مهما كلفه ذلك من التضحيات ، فيا لها من خاتمة حسنة ...
جاء في الأثر : " من ترك شيئاً لله ، عوضه الله خيراً منه " .




 

المشيــئة الإلــهية




المشيــئة الإلــهية








شرب الخمر ، فسَكِر ، فضر أمه ..
فلما أفاق من سكره وعاد إليه عقله ،  قال وهو يتجرع غصص الندم : ليت يدي  بُتِرت قبل أن تمتد إليها .. ليتها شُلَّت .. وليتني متُّ  قبل أن أفعل هذا ... لا .. لن أغفر لنفسي أبداً .. كل هذه الانفعالات العنيفة ، والأحاسيس الجياشة ، هزت مشاعره هزاً ، واقتلعت قلبه من جذوره ، في محاولة يائسة  لإيقاظ ضميره  المتحجر بعد أن تبلد عقله وتوقف  تماماً عن التمييز ...
لقد ذهبت الخمر بعقله ، وجعلته أسيراً لها حتى إنه لم يستطع التفريق بين صديقه ، وعدوه .. . بين من يحبه ، وبين من يكرهه ، وها هي  ذي يده تمتد بكل وقاحة لتصفع أعز إنسان لديه .. أمه .. ينبوع الحنان !.
ولماذا ؟! .
ألا إنها كانت تريد له الخير ، وتنصحه بالإقلاع عما حرم الله ، وتجنب رفقاء السوء ، والالتفات إلى مستقبله ؟ .. أم لأنها كانت تدعو له بالهداية ، وترجو له أن يثوب إلى رشده ، وينتبه لنفسه وعائلته ؟ .
لم يتمالك نفسه من هول الموقف ، فاغرورقت عيناه بالدموع وأخذ يجهش بالبكاء .. وتوجه نحو والدته التي كانت تبكي وترثي لحالها وحاله .. وارتمى على صدرها كالطفل ، وأخذ يبكي ويصرخ ، وهي تهدئ من روعه ، وتدعو الله أن يتوب عليه ويغفر له ..
وبدأ صوته يخفت شيئاً فشيئاً  ... حتى سكت تماماً ..
فقالت له : قم يا بني ، واغسل وجهك ، وتوضأ  وصلِّ ، وتضرع إلى الله ، واسأله أن يغفر لك وأن يسامحك على ما اقترفته من ذنب في حق نفسك وحق والدتك .. ولكنه لم يُحر جواباً ولم يتحرك أبداً ... ي
فحركته وهزته ..فإذا هو بارد كالثلج ... فقد لفظ أنفاسه الأخيرة في حجر أمه ..
 
المشيــئة الإلــهية 



الحافلة متوجهة صوب مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم على متنها عدد من الركب الكرام تكاد نفوسهم تحترق شوقاً إلى رؤية مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والصلاة فيه ، والسلام  على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وصاحبه الكريمين .
كانت تسير  في طريقها في أمن ودعة ... ها هي قد وصلت إلى مشارف المدينة ، والشوق يزداد ، والقلوب تخفق فرحاً بالوصول ، إلا أن نفساً شقية كانت مع الركب أبت إلا أن تعكر صفوف هذا الشوق ، وتعوق هذا الركب عن سيره المبارك ...
قال صاحبها : وصلنا إلى المدينة ... وسكت
فقال له أحد الموفقين مذكراً  له بالمشيئة  الإلهية : قل إن شاء الله . فما كان من ذلك الشقي إلا أن قال كلمة عظيمة وكأنه يتحدى بها ربه ، قال : وإن لم يشأ الله ..
لا إله إلا الله ، ما أشعنها من كلمة ، وما أشقاها من نفس .. وهل يحدث شيء في هذا الكون إلا بمشيئة الله وإرادته ؟ ... لكنه الشقاء والحرمان نعوذ بالله من ذلك .. .
وبعد لحظات يسيرة من مقولة ذلك الشقي شاء الله عز وجل ... ولكن أن يبتلي ذلك الركب الكريم ، وتنقلب الحافلة ، وتكون تلك العنق الفاجرة أول عنق تدق في تلك الفاجعة ...

  

إن ربك لبالمرصاد



إن ربك لبالمرصاد   







     بعد أن أتم خالد دراسته الثانوية كان يحلم بما يحلم به غيره من الشباب المراهق من السفر إلى الخارج والدراسة في ديار الغرب بعيداً عن رقابة الأهل والمجتمع (! )  ، وقد شجعه والده على ذلك (!) وهيأ له كل ما يحتاجه من مستلزمات ....
وحان موعد السفر ن فودعته أمه وقبلها يتوجس خيفة ويتفطر ألماً ، وحذرته من هفوات الشباب ،ومهاوي الردى ...
بات خالد يعد الدقائق والساعات شوقاً لتلك البلاد التي سمع  عنها الكثير ولما يرها ، وما إن وطئتها قدماه حتى نسي وصية أمه المشفقة ، ونسي نفسه ، بل نسي ربه الذي يراقبه في كل مكان ، وانهمك في فعل المعاصي والآثام ، حتى كاد أن ينسى دراسته  التي سافر من أجلها ...
وبعد سنوات أمضاها في ديار الغرب ما بين لهو ولعب ومجون ، وقليل من الدراسة ، عاد .. ولكن بعقل ممسوخ وقلب مظلم قد عصفت فيه رياح الأهواء والشهوات ، وفتكت به أمراض الشكوك والشبهات ، ولقد كان قلبه خالياً  قبل ذلك ، فتمكن منه الداء :
 أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى   فصادف قلباً خالياً فتمكنا
كانت أمه طوال تلك السنين كالثكلى تنتظر قدومه بفارغ الصبر ، وتعدّ الدقائق والساعات شوقاً  إلى لقائه ، وتذرف الدموع في كل وقت خوفاً عليه ، أما هو فلم تخطر له أمه على بال ، ولا فكر بالسؤال عنها مجر سؤال ...  إلا في فترات متباعدة .
وأزف موعد قدومه فخرجت أمه إلى المطار  بصحبة أخته لاستقباله ، وقلبها يكاد يطير من شدة الفرح ...
 وفي صالة الانتظار  ، وقفت تترقب قدومه ، وتفحص وجوه القادمين بحثاً عن ولدها الحبيب ..
ها هو خالدٌ  قد أقبل ..
" أهذا هو خالدٌ ؟! " همست الأم في أذن ابنتها والدهشة تكاد تعقد لسانها.
كان يلبس نظارة سوداء وقد نفش شعره وأعفى لحيته على الطريقة الغربية ... فلما اقترب منها عرفته بملامحه التي لا تخفى ...
نادته خالد ... خالد ...
التفت إليها ... مدت الأم يدها إليه لتصافحه ، قالت أنا أمك يا خالد ، وهذه أختك . كانت تنتظر منه أن يضمّها ، أن يقبل رأسها ، أن يبكي فرحاً بلقائها ، لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك ، بل مد يده ببرود شديد ، وقال متهكماً : أما زلتين تغطين وجوهكن وتلبسن هذه الملابس السوداء ؟!
ذُهلت الأم لمقالة ابنها ، وتحولت دموع الفرح التي ذرفتها احتفالاً بقدومه ، إلى دموع حزن وأسى أسفاً على حاله ، لكنها أخفت عبرتها خلف حجابها المصون وكتمت أنفاسها الحرّى ... وهي تردد : إنا لله وإنا إليه راجعون ..
ومضت الأيام ، وخالد سار في غيه وضلاله ، ينتهز كل فرصة ليسافر على تلك الديار ثم يعود وقد ازداد تعلقاً بها ، ومقتاً  لدينه  وأهله .
أما أمه فلم تعد تقيم له وزناً ، أو تلقى له بالاً ، فقد سقط من عينها ، وأبغضته في الله ، وهذا هو مقتضى لا إله إلا الله : ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ..  ) الآية  [ المجادلة : الآية : 22]
وصارت تدعو له بالصلاح والهداية ، وربما دعت بالهلاك إن لم يهده الله ..
وجاءت ساعة الصفر ..
كانت ليلة زفاف من العروس التي اختارها لنفسه ، لكن الأجل لم يمهله ، فبينما هو يسير بسيارته الصغير ، إذا اعترضت طريقه شاحنة نقل كبيرة فلم يجد مفراً من الدخول تحتها ليتحول هو وسيارته إلى كومة من حديد ...
وبعد ساعة من الزمن وقف شرطي المرور وهو يحمل في كفيه كتلاً  من اللحم والعظام ... إنه ما تبقى من خالد .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا ، مع ما يدخره له في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم " أخرجه أحمد وغيره .

 

تفسير سورة المزمل ابن كثير

  تفسير ابن كثير - جـ ١٤ ( ص: ١٦٠ ) ‌ ‌تفسير سورة المزمل وقوله مكية قال الحافظ أبو بكر بن عمرو بن عبد الخالق البزار (1) : حدثنا محمد بن موسى...