الأربعاء، 14 يناير 2026

على نفسها جنة براقش

 في قديم الزمان، عاشت قبيلة عربية في صحراء قاحلة، وكان لديهم كلبة وفية تُدعى براقش.

كانت براقش مدرّبة على حماية القبيلة، فإذا اقترب الأعداء نبحت لتنذرهم بالخطر، فتهيأوا للقتال أو الفرار.


وذات يوم، بينما كانت القبيلة تستريح بعد عناء يوم شاق، سمعت براقش صوت خطوات غريبة تقترب.

أدركت أن هناك غزاة يقتربون، فأطلقت نباحها المعتاد، ففزعت القبيلة وهربت سريعًا إلى مكان آمن بين الجبال.


لكن الغزاة كانوا على وشك العودة أدراجهم، غير أن براقش، التي شعرت بالانتصار، عادت إلى النباح بصوت عالٍ.

سمع الغزاة النباح واتبعوا صوته، حتى وجدوا مخبأ القبيلة. هاجموهم ولم ينجُ أحد، حتى براقش نفسها.


ومن هنا قيل المثل: 'على أهلها جنت براقش'.


العبرة: أحيانًا، قد يتسبب الشخص في هلاكه أو هلاك من حوله بسبب تصرف غير محسوب، حتى لو كان بنية حسنة!

الاثنين، 12 يناير 2026

الذي تألى على الله

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله ﷺ:
كان رجلان في بني إسرائيل
متواخيان،
وكان أحدهما مذنبًا،
والآخر مجتهدًا في العبادة

وكان لا يزال المجتهد
يرى الآخر على الذنب،
فيقول: أقصر.
فوجده يومًا على ذنب،
فقال له: أقصر.
فقال: خلني وربّي،
أبعثت عليّ رقيبًا؟

فقال: والله لا يغفر الله لك!
أو: لا يدخلك الله الجنة.
فقبض الله روحهما،
فاجتمعا عند رب العالمين

فقال لهذا المجتهد:
أكنت بي عالمًا؟
أو كنت على ما في يدي قادرًا؟

وقال للمذنب:
اذهب فادخل الجنة برحمتي

وقال للآخر:
اذهبوا به إلى النار
  

الأحد، 4 يناير 2026

مَتْنُ الْقَوَاعِدِ الْأَرْبَعِ

 


مَتْنُ الْقَوَاعِدِ الْأَرْبَعِ

قَالَ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ 


أَسْأَلُ اللهَ الْكَرِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أَنْ يَتَوَلَّاكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنْ يَجْعَلَكَ مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتَ، وَأَنْ يَجْعَلَكَ مِمَّنْ إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ، فَإِنَّ هَـٰؤُلَاءِ الثَّلَاثَ عُنْوَانُ السَّعَادَةِ. 

اِعْلَمْ - أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ - أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ، وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذريات:56). فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ اللهَ خَلَقَكَ لِعِبَادَتِهِ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تُسَمَّى عِبَادَةً إِلَّا مَعَ التَّوْحِيدِ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُسَمَّى صَلَاةً إِلَّا مَعَ الطَّهَارَةِ، فَإِذَا دَخَلَ الشِّرْكُ فِي الْعِبَادَةِ فَسَدَتْ، كَالْحَدَثِ إِذَا دَخَلَ فِي الطَّهَارَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}(التوبة:17). فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الشِّرْكَ إِذَا خَالَطَ الْعِبَادَةَ أَفْسَدَهَا، وَأَحْبَطَ الْعَمَلَ، وَصَارَ صَاحِبُهُ مِنَ الْخَالِدِينَ فِي النَّارِ، عَرَفْتَ أَنَّ أَهَمَّ مَا عَلَيْكَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْ هَـٰذِه الشَّبَكَةِ، وَهِيَ الشِّرْكُ بِاللهِ. وَذلِكَ بِمَعْرِفَةِ أَرْبَعِ قَوَاعِدَ، ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ :

الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُقِرُّونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُحِيِي الْمُمِيتُ، الْمُدَبِّرُ لِجَمِيعِ الْأُمُورِ، وَلَمْ يُدْخِلْهُمْ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} (يونس:31) . 

الْقَاعِدَةُ الثَّانِيِةُ: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا دَعَوْنَاهُمْ وَتَوَجَّهْنَا إِلَيْهِمْ، إِلَّا لِطَلَبِ الْقُرْبَةِ وَالشَّفَاعَةِ، فَدَلِيلُ الْقُرْبَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} (الزمر: من الآية3).

وَدَلِيلُ الشَّفَاعَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}(يونس:18)، وَالشَّفَاعَةُ شَفَاعَتَانِ: شَفَاعَةٌ مَنْفِيَّةٌ، وَشَفَاعَةٌ مُثْبَتَةٌ، فَالشَّفَاعَةُ الْمَنْفِيَّةُ: مَا كَانَتْ تُطْلَبُ مِنْ غَيْرِ اللهِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة:254)، وَالشَّفَاعَةُ الْمُثْبَتَةُ: هِيَ الَّتِي تُطْلَبُ مِنْ اللهِ، وَالشَّافِعُ مُكْرَمٌ بِالشَّفَاعَةِ، وَالْمَشْفُوعُ لَهُ: مَنْ رَضِيَ اللهُ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ بَعْدَ الْإِذْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ} (البقرة: من الآية255). 

الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ظَهَرَ عَلَى أُنَاسٍ مُتَفَرِّقِينَ فِي عِبَادَاتِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدَ الْمَلَائِكَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْأَشْجَارَ وَالْأَحْجَارَ، وَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمْ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ} (الأنفال: من الآية39).

فَدَلِيلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (فصلت:37). 

وَدَلِيلُ الْمَلَائِكَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ⁕ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} (سبإ:41،40) وَدَلِيلُ الْأَنْبِيَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} (المائدة:من الآية 116).

وَدَلِيلُ الصَّالِحِينَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ⁕ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} (الاسراء:57،56).

وَدَلِيلُ الْأَشْجَارِ وَالْأَحْجَارِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ ⁕ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ} (النجم:19،20) وَحَدِيثُ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: )خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَي حُنَيْنٍ، وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرْرَنَا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اِجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللهُ أَكْبَرُ ! إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى {اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ }(الأعراف: من الآية 138)).

الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ مُشْرِكِي زَمَانِنَا أَغْلَظُ شِرْكًا مِنَ الْأَوَّلِينَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ يُشْرِكُونَ فِي الرَّخَاءِ وُيُخْلِصُونَ فِي الشِّدَّةِ، وُمُشْرِكُو زَمَانِنَا شِرْكُهُمْ دَائِمٌ فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت:65).

وَاللهُ أَعْلَمُ.

   


السبت، 3 يناير 2026

مَتْنُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ

 مَتْنُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ 


بِسْـمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيـمِ

مَتْنُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ

اِعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلُّمُ أَرْبَعِ مَسَائِلَ:

الْأُولَى: الْعِلْمُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ وَمَعْرِفَةُ دِينِ الْإِسْلَامِ بِالْأَدِلَّةِ.

الثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ بِهِ.

الثَّالِثَةُ:  الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ.

الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى فِيهِ. 

وَالدَّلِيلُ  قَوْلُهُ  تَعَالَى: بِسْمِ  اللَّهِ الرَّحْمَــٰـنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر] . قَالَ الشَّافِعيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَوْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا هَذِهِ السُّورَةَ، لَكَفَتْهُمْ.  وَقَالَ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ  اللَّهُ  تَعَالَى - : بَابٌ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ  وَالْعَمَلِ؛  وَالدَّلِيلُ  قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَــٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾  [محمد:19]  ،  فَبَدَأَ  بِالْعِلْمِ،  قَبْلَ  الْقَوْلِ  وَالْعَمَلِ). 

اِعْلَمْ  رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، تَعَلُّمُ ثَلَاثِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَالْعَمَلُ بِهِنَّ:  الْأُولَى: أَنَّ  اللَّهَ  خَلَقَنَا، وَرَزَقَنَا، وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلًا، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا، فَمَنْ  أَطَاعَهُ دَخَلَ  الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّا  أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ  رَسُولًا شَاهِدًا  عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا  * فَعَصَى  فِرْعَوْنُ  الرَّسُولَ  فَأَخَذْنَاهُ  أَخْذًا  وَبِيلًا ﴾ [المزمل: 15، 16] .

الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ فِي عِبَادَتِهِ، لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ  مُرْسَلٌ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَـــــى:  ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّــهِ فَلَا تَدْعُـــــوا مَعَ اللَّــهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18] .

الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ  الرَّسُولَ،  وَوَحَّدَ اللَّهَ، لَا يَجُوزُ لَهُ  مُوَالَاةُ  مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ  بِاللَّهِ  وَالْيَوْمِ  الآخِرِ يُوَادُّونَ  مَنْ حَادَّ اللَّهَ  وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ  أُوْلَــٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ  وَأَيَّدَهُم  بِرُوحٍ مِّنْهُ  وَيُدْخِلُهُمْ  جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ  عَنْهُمْ  وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَــٰـئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ  هُمُ  الْمُفْلِحُونَ  ﴾  [المجادلة: 22 ]  .    

اِعْلَمْ  أَرْشَدَكَ  اللَّهُ  لِطَاعَتِهِ  :  أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَ النَّاسِ، وَخَلَقَهُمْ لَهَا؛ كَمَا  قَالَ  تَعَالَى:   ﴿وَمَا  خَلَقْتُ  الْجِنَّ  وَالْإِنْسَ  إِلَّا  لِيَعْبُدُونِ﴾ [ الذاريات: 56].

وَمَعْنَى ﴿يَعْبُدُونِ﴾: يُوَحِّدُونِ، وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ  التَّوْحِيدُ، وَهُوَ : إِفْرَادُ  اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ. وَأَعْظَمُ مَا نَهَى عَنْهُ الشِّركُ،  وَهُوَ: دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ،  وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36 ]  . 

فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الْأُصُولُ الثَّلَاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا ؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ، وَدِينَهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الْأَصْلُ الأَوَّلُ

فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ الذِي رَبَّانِي، وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعَمِهِ، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 1].  وَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ. فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ ؟ فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ ، وَمِنْ آيَاتِهِ : اللَّيْلُ ، وَالنَّهَارُ ، وَالشَّمْسُ  ، وَالْقَمَرُ،  وَمِنْ  مَخْلُوقَاتِهِ : السَّمَاوَاتُ  السَّبْعُ  ومَنْ فِيهِنَّ،  وَالْأَرَضُونَ  السَّبْعُ   وَمَنْ  فِيهِنَّ،  وَمَا  بَيْنَهُمَا؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ  اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا  لِلشَّمْسِ  وَلَا لِلْقَمَرِ  وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾  [فصلت: 37]  . 

وَقَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ  الذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ  فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ  ثُمَّ  اسْتَوَى  عَلَى  الْعَرْشِ  يُغْشِي  اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ  مُسَخَّرَاتٍ  بِأَمْرِهِ  أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾  [الأعراف: 54] .

وَالرَّبُّ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى  : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الذِي  خَلَقَكُمْ  وَ  الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا  لَّكُمْ  فَلَا تَجْعَلُوا  لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾[البقرة: 21، 22 ] .

قَالَ  ابْنُ  كَثِيرٍ -  رَحِمَهُ  اللَّهُ تَعَالَى  - : الْخَالِقُ  لِهَذِهِ  الْأَشْيَاءِ  هُوَ الْمُسْتَحِقُّ  لِلْعِبَادَةِ.  

وَأَنْوَاعُ  الْعِبَادَةِ  التِي  أَمَرَ  اللَّهُ  بِهَا ـ مِثْلُ :  الْإِسْلَامِ  ، وَالْإِيمَانِ ، وَالْإِحْسَانِ؛ وَمِنْهَا : الدُّعَاءُ ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ ، وَالْخُشُوعُ ، وَالْخَشْيَةُ ، وَالْإِنَابَةُ، وَالِاسْتِعَانَةُ، وَالِاسْتِعَاذَةُ ، وَالِاسْتِغَاثَةُ ، وَالذَّبْحُ ، وَالنَّذْرُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ التِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا.كُلُّهَا للهِ تَعَالَى.  

وَالدَّلِيلُ : قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]. 

فَمَنْ  صَرَفَ  مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ ؛ فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ؛ وَالدَّلِيلُ : قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلــٰـهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ  لَا  يُفْلِحُ  الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: 11] .

وَفِي الْحَدِيثِ : (الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ ). وَالدَّلِيلُ  : قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿وَقَالَ  رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ  عَنْ  عِبَادَتِي  سَيَدْخُلُونَ  جَهَنَّمَ  دَاخِرِينَ﴾  [غافر: 60 ].

وَفِي الْحَدِيثِ : (الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ ). وَالدَّلِيلُ  : قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿وَقَالَ  رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ  عَنْ  عِبَادَتِي  سَيَدْخُلُونَ  جَهَنَّمَ  دَاخِرِينَ﴾  [غافر: 60 ].

وَدَلِيلُ الْخَوْفِ:  قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم  مُّؤْمِنِينَ﴾[آل عمران: 175 ]. 

وَدَلِيلُ الرَّجَاءِ:  قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[الكهف: 110 ].

وَدَلِيلُ التَّوَكُّلِ:  قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23].  وَقَوْلُهُ : ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ  عَلَى  اللَّهِ  فَهُوَ  حَسْبُهُ ﴾[الطلاق: 3 ].

وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةِ، وَالْخُشُوعِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾[الأنبياء: 90 ].

وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ  :  قَوْلُهُ  تَعَالَى:   ﴿فَلَا  تَخْشَوْهُمْ   وَاخْشَوْنِ... ﴾ [المائدة: 3]. 

وَدَلِيلُ الْإِنَابَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ...﴾ [الزمر: 54 ]. 

وَدَلِيلُ الِاسْتِعَانَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الفاتحة: 5].  وَفِي الْحَدِيثِ : (...إِذَا  اسْتَعَنْتَ  فَاسْتَعِنْ  بِاللَّهِ).  

وَدَلِيلُ الِاسْتِعَاذَةِ : قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: 1]. وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ [الناس: 1 ].

وَدَلِيلُ الِاسْتِغَاثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ...﴾ [الأنفال: 9 ].

وَدَلِيلُ الذَّبْحِ :  قَوْلُهُ  تَعَالَى:  ﴿قُلْ  إِنَّ صَلَاتِي  وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 161ـ163]. وَمِنَ السُّنَّةِ : (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ).

وَدَلِيلُ النَّذْرِ : قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿يُوفُونَ  بِالنَّذْرِ  وَيَخَافُونَ  يَوْمًا  كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7 ] .   

الْأَصْلُ الثَّانِي

مَعْرِفَةُ دِينِ الْإِسْلَامِ بِالْأَدِلَّةِ،  وَهُوَ:  الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، وَهُوَ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: الْإِسْلَامُ، وَالْإِيمَانُ وَالْإِحْسَانُ. وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ. 

فَأَرْكَانُ الْإِسْلَامِ خَمْسَةٌ:  شَهَادَةُ أَن لَا إِلَــٰـهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَحَجُّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ. 

فَدَلِيلُ  الشَّهَادَةِ : قَوْلُهُ  تَعَالَى :  ﴿شَهِدَ  اللَّهُ  أَنَّهُ لَا إِلَــٰـهَ  إِلَّا  هُوَ  وَالمَلَائِكَةُ  وَأُوْلُواْ  الْعِلْمِ  قَآئِمًا  بِالْقِسْطِ لَا إِلَـــٰـهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران، 18].

وَمَعْنَاهَا: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ ، ﴿لَا إِلَـــٰـهَ﴾ : نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ : مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ. 

وَتَفْسِيرُهَا:  الذِي يُوَضِّحُهَا؛ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا  تَعْبُدُونَ  *  إِلَّا الذِي فَطَرَنِي﴾،  [الزخرف: 26 ـ27].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾[آل عمران: 64 ].

وَدَلِيلُ  شَهَادَةِ  أَنَّ  مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ : قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ  مِّنْ  أَنفُسِكُمْ  عَزِيزٌ  عَلَيْهِ  مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[التوبة: 128 ]. 

وَمَعْنَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ : طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَاجْتِنَابُ مَا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ، وَأَلَّا يُعْبَدَ اللَّهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ. 

وَدَلِيلُ الصَّلَاةِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَتَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ : قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿  وَمَا  أُمِرُوا  إِلَّا  لِيَعْبُدُوا  اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا  الصَّلَاةَ  وَيُؤْتُوا  الزَّكَاةَ  وَذَلِكَ  دِينُ  القَيِّمَةِ ﴾[البينة: 5 ].

وَدَلِيلُ الصِّيَامِ:قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا  كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا  كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183 ].

وَدَلِيلُ الْحَجِّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ  اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97 ] .

الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِيمَانُ؛ وَهُوَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلــٰـهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى  عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ  شُعْبَةٌ  مِنَ  الْإِيمَانِ. 

وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ:  أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الْأَرْكَانِ السِّتَّةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالمَلَائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 177 ].

وَدَلِيلُ الْقَدَرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾[القمر: 49 ].

الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: الْإِحْسَانُ - رُكْنٌ وَاحِدٌ -   وَهُوَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ.

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الـذِينَ اتَّقَوْا وَالـذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾[النحل: 128 ].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: 217 ـ 220 ].

وَقَوْلُهُ:  ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآيَةُ [يونس: 61 ]. 

وَالدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ:  حَدِيثُ جِبْرِيلَ الْمَشْهُورُ : عَنْ عُمَرَ  ـ رَضِيَ اللَّهُ  عَنْهُ ـ  قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ   عِنْدَ  رَسُولِ اللَّهِ  ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ  عَلَيْنَا  رَجُلٌ، شَدِيدُ  بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ  مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ  إِلَى  النَّبِيِّ  ـ صَلَّى الهَُلش عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ  فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ  إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ، وَقَالَ : يَا  مُحَمَّدُ! أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ :  (الْإِسْلَامُ : أَنْ  تَشْهَدَ  أَنْ لَا إِلــٰـهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ،  وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ،  وَتَحُجَّ  الْبَيْتَ  إِنْ اسْتَطَعْتَ  إِلَيْهِ  سَبِيلًا). فَقَالَ: صَدَقْتَ.-  فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ  وَيُصَدِّقُهُ - . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ. قَالَ : (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، وَتُؤْمِنَ  بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ) .قَالَ: صَدَقْتَ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ  الْإِحْسَانِ.  قَالَ: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ). قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: (مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ  مِنَ  السَّائِلِ). قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا.  قَالَ : (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ  تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ).قَالَ : ثُمَّ انْطَلَقَ ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: ( يَا عُمَرُ! أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ ). قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ). رواه مسلم 

الْأَصْلُ الثَّالِثُ

مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، اِبْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ -.وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ نَبِيًّا رَسُولًا.نُبِّئَ  بـِ﴿إِقْرَأْ﴾، وَأُرْسِلَ بـ﴿الْمُدَّثِّرِ﴾، وَبَلَدُهُ مَكَّةُ.

بَعَثَهُ  اللَّهُ بِالنَّذَارَةِ  عَنِ الشِّرْكِ ، وَيَدْعُو  إِلَى التَّوْحِيدِ؛  وَالدَّلِيلُ  قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ *  وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾[المدثر: 1ـ7].

وَمَعْنَى ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾:  يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ.

﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ : أَيْ : عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ.

﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ : أَيْ : طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ.

﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ : الرُّجْزُ : الْأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا : تَرْكُهَا، وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلِهَا.

أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَبَعْدَهَا أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.  وَالْهِجْرَةُ: الِانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ. 

وَالْهِجْرَةُ   فَرِيضَةٌ  عَلَى  هَذِهِ  الْأُمَّةِ  مِنْ  بَلَدِ  الشِّرْكِ  إِلَى  بَلَدِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ  بَاقِيَةٌ  إِلَى  أَنْ  تَقُومَ  السَّاعَةُ، وَالدَّلِيلُ  قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿إِنَّ الذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ  كُنتُمْ  قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا  فِيهَا  فَأُوْلَــٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ  الرِّجَالِ  وَالنِّسَآءِ  وَالْوِلْدَانِ  لَا  يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا   *  فَأُوْلَــٰـئِكَ  عَسَى  اللَّهُ  أَنْ  يَّعْفُوَ  عَنْهُمْ  وَكَانَ  اللَّهُ  عَفُوًّا  غَفُورًا﴾ [النساء: 97ـ99 ].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿يَا عِبَادِيَ الذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: 56 ]. 

قَالَ الْبَغَوِيُّ  - رَحِمَهُ اللَّهُ  - : سَبَبُ نُزُولِ  هَذِهِ الْآيَةِ : فِي المُسْلِمِينَ الذِينَ  بِمَكَّةَ  لَمْ  يُهَاجِرُوا ، نَادَاهُمُ  اللَّهُ  بِاسْمِ  الْإِيمَانِ.   وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ   مِنَ السُّنَّةِ:  قَوْلُهُ   ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ  : (لَا تَنْقَطِعُ  الْهِجْرَةُ  حَتَّى تَنْقَطِعَ  التَّوْبَةُ  ، وَلَا تَنْقَطِعُ  التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا).

فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِالْمَدِينَةِ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، مِثْلُ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالْأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ - أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ،  وَتُوُفِّيَ   ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَدِينُهُ بَاقٍ.

وَهَذَا دِينُهُ، لَا خَيْرَ إِلَّا دَلَّ الْأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلَا شَرَّ إِلَّا حَذَّرَهَا مِنْهُ، وَالْخَيْرُ الذِي دَلَّهَا عَلَيْهِ:  التَّوْحِيدُ ، وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ ، وَالشَّرُّ  الذِي حَذَّرَهَا  مِنْهُ:  الشِّرْكُ  ، وَجَمِيعُ  مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَيَأْبَاهُ .

بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَافْتَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ -الْجِنِّ وَالْإِنْسِ-؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ  تَعَالَى : ﴿قُلْ  يَا  أَيُّهَا  النَّاسُ  إِنِّي  رَسُولُ  اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾[الأعراف: 158].

وَأَكْمَلَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِينًا﴾[المائدة3].

وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾[الزمر: 30، 31 ]. 

وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُوا يُبْعَثُونَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ  وَمِنْهَا  نُخْرِجُكُمْ   تَارَةً  أُخْرَى﴾  [طه: 55 ]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿وَاللَّهُ   أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: 17، 18].

وَبَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ  بِأَعْمَالِهِمْ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿لِيَجْزِيَ  الذِينَ  أَسَاؤُوا  بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: 31 ].

وَمَنْ  كَذَّبَ بِالْبَعْثِ  كَفَرَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿زَعَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي  لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾[التغابن: 7 ]. 

وَأَرْسَلَ اللَّهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿رُسُلًا  مُّبَشِّرِينَ  وَمُنذِرِينَ   لِئَلَّا  يَكُونَ  لِلنَّاسِ  عَلَى  اللَّهِ  حُجَّةٌ  بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165 ].

وَأَوَّلُهُمْ  نُوحٌ  عَلَيْهِ  السَّلَامُ ،  وَآخِرُهُمْ  مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ  وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾[الأحزاب: 40]. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا   أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163 ].

وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِا رَسُولًا - مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ- يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الهَِِ  وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى:  ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [ النحل: 36 ].

وَافْتَرَضَ  اللَّهُ  عَلَى  جَمِيعِ  الْعِبَادِ  الْكُفْرَ  بِالطَّاغُوتِ،  وَالْإِيمَانَ  بِاللَّهِ . 

قَالَ ابْنُ القَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ـ: مَعْنَى الطَّاغُوتِ: مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ. وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُةٌ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ،  وَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ الهَُمُ. 

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَّكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 256].

وَهَذَا مَعْنَى لَا إِلــٰـهَ إِلَّا  اللَّهُ ، وَفِي الْحَدِيثِ : رَأْسُ  الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ ،  وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ ، وَذِرْوَةُ  سَنَامِهِ  الْجِهَادُ  فِي  سَبِيلِ اللَّهِ. 

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. 


الفواكه العذب ﻓﻲ اﻟﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﺤﻜﻢ اﻟﺴﻨﺔ ﻭاﻟﻜﺘﺎﺏ

  اﻟﻔﻮاﻛﻪ اﻟﻌﺬاﺏ ﻓﻲ اﻟﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﺤﻜﻢ اﻟﺴﻨﺔ ﻭاﻟﻜﺘﺎﺏ  ﺑﻴﺎﻧﺎﺕ اﻟﻜﺘﺎﺏ ﻋﻨﻮاﻥ اﻟﻜﺘﺎﺏ: اﻟﻔﻮاﻛﻪ اﻟﻌﺬاﺏ ﻓﻲ اﻟﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﺤﻜﻢ اﻟﺴﻨﺔ ﻭاﻟﻜﺘﺎﺏ ﺗﺄﻟﻴﻒ...