الاثنين، 29 سبتمبر 2025

معالم على طريق التوفيق 1


  كتيب معالم على طريق التوفيق (1) 
۞۞۞۞۞۞۞

 في بداية الطريق

أحمد الله وأشكره أن وفقك لاختيار هذه الرسالة، لعل وعسى أن تنير دربك وتزيد في إيمانك، وأن تسير في ركاب الموفقين في حياتك الدنيا 
إخواني الفضلاء: 
إن من تأمل في أحوالنا وواقعنا المعاصر الذي نعيش فيه معا، ونظر يمينًا وشمالًا، وجد أن هناك أناسًا قد وفِّقوا في حياتهم الدنيا، وساروا في طريق التوفيق والسداد والرشاد الموصل بإذن الله إلى جنات النعيم. 
أخي الغالي: 
انطلاقًا من قول الباري جل وعلا: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88].
تأملت هذه الآية الكريمة كثيرًا، فوجدت أن التوفيق عزيز المنال ومطلب سامٍ، وهو عنوان سعادة العبد في الدنيا والآخرة، فإذا به فواتح الخير كله؛ أوله وآخره، ظاهره وباطنه، وما من لحظة وحركة وطرفة عين إلا وأنت تتقلب في نعمه التي لا تعد ولا تحصى، {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34].
ولا يعرف ذلك ولا يوفق لهذا كله إلا الموفقون
فسألت نفسي ما هي صفاتهم؟! ما علاماتهم؟! ماذا عملوا؟! 
ماذا قدموا؟ ماذا بذلوا؟ لماذا سهروا؟ 
لماذا سافروا؟ لماذا أنفقوا؟ لماذا بكوا؟ 
لماذا صبروا؟ لماذا تكلموا؟ لماذا خافوا؟ 
لماذا تركوا؟ لماذا صَلّوا؟ لماذا أحسنوا؟ 
أسئلة كثيرة وخواطر عديدة، كلها تدور حول التوفيق، وهو سلوك طريق الاستقامة والهدى والرشاد 
إن الخير كله والتوفيق كله بيد الله ، فلما أفلح عبد ونجا من فتنة الدنيا وأناب إلى الآخرة إلا بتوفيق الله سبحانه وإعانته، {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [آل عمران: 74].
تأمل معي – يا رعاك الله – في هذا الحديث النبوي لترى معنى التوفيق في حياتك. 
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله  إذا رأى الهلال قال: «الله أكبر. اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما يحبه ربنا ويرضى، ربنا وربك الله»
[رواه الدارمي في سننه (1639)، وقال الألباني: صحيح بشواهده، انظر: تخريج الكلم الطيب ص139]. 
أرأيت – أيها الموفق – كيف كان نبي الهدى  يتلمَّس التوفيق داعيًا ربه لما يحبه ويرضاه؟ 
نسأل الله الكريم المنان علمًا نافعًا وعملًا صالحًا وتوفيقًا لما يحبه ويرضاه، فهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل. 
محبكم على الطريق
فيصل بن سعيد شهوان الزهراني


۞۞۞۞۞۞۞


قبل الانطلاق
أذكركم بقول ربنا تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30].
نعم، إنه الفائز الموفق الرشيد الذي عرف ربه وآمن به، ثم استقام على طاعته حتى الممات، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وإحسانه، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35]. {وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان: 12].
تأمل – أيها الموفق – كلمة «صبروا»؛ 
صبروا على طاعة ربهم في زمن الغربة! 
صبروا وابتعدوا عن الآثام والملذات والمغريات في حياتهم الدنيا! 
صبروا على ما نزل بهم من الأقدار والأكدار! 
ولا يوفق لهذه الأنواع الثلاثة إلا من وفقه ربه العلي العظيم. 
قال الله تعالى لنبيه : {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} [المعارج].
إن من أول معالم توفيق الله لعبده المؤمن أن يرزقه اليقظة والمحاسبة في حياته الدنيا، فتراه خائفًا أن يزيغ قلبه، أو تزل قدمه بعد ثبوتها، تراه يجأر إلى الله؛ يسأله الثبات والتوفيق في كل ساعة وحين، غير مبدل ولا مغير {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]. 
نعم، لقد كان أكثر دعاء رسول الله : «اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». 
عن أنس بن مالك  أن رسول الله  كان يقول: «يا وليَّ الإسلام وأهله، ثبِّتني به حتى ألقاك». [السلسلة الصحيحة 1823]. 
هكذا الموفق يسير في حياته الدنيا، موفقًا مُسددًا حتى يلقى ربه على خاتمة طيبة وعمل صالح. 
يسير في الدنيا، يأكل ويشرب، وينكح ويتمتع، ويعمل ويكدح ويسافر هنا وهناك، لكن قلبه معلق بدار القرار. 
{يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 39].
ويقول ربنا في محكم التنزيل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].
* * *
 
مدرسة التوفيق!
يقول ابن القيم (رحمه الله): «وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيقه وإعانتهُ؛ فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك. فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به والخذلان في مواضعه اللائقة به وهو العليم الحكيم». 
نعم يا ابن القيم في أي مدرسة درست، أو من أي جامعة تخرجت؟! 
إنها مدرسة التوفيق بفضل الكريم المنان. 
إنها كلمة تهز القلوب هزًا، تجعله يتلفت يمينًا وشمالًا في حاله وكلامه وعمله ومدخله ومخرجه، هل هو سائر على طريق التوفيق والسداد أم لا؟! 
قال الحكيم العليم: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا} [الإسراء: 80].
وإذا أحب الله عبدا وفقه وحباه، وجعل من أخلاقه الرحمة والحب والعطاء، والصبر والوفاء والكرم والعفو، والتجاوز عن الغير، والتواصل بالبر والإحسان، وهذا – وربي – طريق التوفيق والسداد في الدنيا والآخرة خير وأبقى. 
تأمل وفقك الله في هذا الحديث النبوي: 
عن أبي عنبة الخولاني  قال: سمعت رسول الله  يقول: «لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته». [السلسلة الصحيحة 2442]. 
فأي منزلة، وأي توفيق، وأي فضل هذا أن يوفقك ربك لإعلاء كلمته ونصرة دينه وتتبع مرضاته؟! وبقدر ما تقدم وتبذل لدينك يجتبيك ربك ويوفقك ويحفظك، وهو خير الحافظين، والجزاء من جنس العمل. 
ويؤكد ابن رجب (رحمه الله) هذا المعنى الراقي قائلًا: « التوفيق كله بيد الله ، فمن يُسر عليه الهدى اهتدى، ومن لم يُيسره عليه لم يُتيسر له ذلك»، وفي الحديث قوله : «أما أهل السعادة، فيُسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيُسرون لعمل أهل الشقاوة». [رواه البخاري ومسلم]. 
ويحلِّق بنا ابن القيم (رحمه الله) قائلًا: «وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد، وكل شرٍّ فأصله خذلانه لعبده، وأجمعوا أن التوفيق ألَّا يكلك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يخلِّي بينك وبين نفسك، والتوفيق بيد الله، فمفاتحه: الدعاء، والافتقار، وصدق اللجأ والرغبة والرهبة إليه، فمتى أُعطي العبد هذا المفتاح، فقد أراد أن يفتح له، ومتى أضله عن المفتاح، بقي باب الخير مرتجًّا دونه». 
ويؤكد الشيخ خالد المصلح – حفظه الله – على هذا المعنى بقوله: «من أعظم أسباب التوفيق الكبرى: سلامة القصد، وصفاء النية وخلوصها من الغل والدغل؛ ولهذا قال الله  مُنبهاً على هذا المعنى في الحكمين عند اختصام الزوجين {إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35].
ورحم الله من قال: إذا حانت فرص الأجر فلم يغتنمها العبد، ودعاه داعي الخير فأعرض عنه؛ فهذا من خذلان الله – عياذاً بالله – ألم يقل ربنا: {وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: 46].
فينبغي أن نجيب داعي الخير دائما، وهذا لا يتأتى إلا بتوفيق رب العالمين». 
يقول الشيخ سفر الحوالي حفظه الله: «إن القلوب تنشط أحيانا وتتكاسل أحيانا، والواجب علينا أن نستغل ساعة نشاطها في قطع الطريق إلى الله، أما ساعة فتورها فلا تفتر، بل علينا أن نجاهدها ونضربها بسياط الخوف من الله تعالى، ونحدوها بحادي الرجاء. 
وتأمل في هذا الأفق البعيد حيث قال أبو سليمان الداراني (رحمه الله): «إن التوفيق على قدر القُربة!». 
وصدق: أي على قدر طاعتك وقربتك واجتهادك في عمل الطاعات آناء الليل وأطراف النهار، يكون توفيقك من ربك الكريم المتعال، فالتوفيق ينزل من عند الله – جل في علاه – الذي بيده خزائن السموات والأرض، فتضرع، وانكسر، وانطرح، وألح، وسارع في الخيرات وأكثر من السجود بين يديه، واقرع أبواب السماء، واستمطر التوفيق من ذي الجلال والإكرام. {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90].
أيها الموفق، يناديك ابن الجوزي (رحمه الله) قائلا لك:  متى رأيت في نفسك عجزًا فاسأل المنعم، أو كسلاً فالجأ إلى الموفق، فلن تنال خيراً إلا بطاعته، ولا يفوتك خير إلا بمعصيته. 
وقد أجمع العلماء على أن التوفيق: ألا يكل الله العبد إلى نفسه، وأن الخذلان كل الخذلان أن يخلي بينه وبين نفسه. 
وبين لنا ابن تيمية (رحمه الله) الطريق إلى التوفيق بقوله: وإنما غاية الكرامة لزوم الاستقامة، فلم يكرم الله عبدا بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه، ويزيده مما يقربه إليه ويرفع به درجته. 
فتحسس – يا رعاك الله – مواضع قدميك، وانظر أين تسير بهما. 
إضاءة على الطريق: 
اللهم إنا ندعوك باسمك الأعظم 
أن توفقنا لمرضاتك، وأن تستعملنا في طاعتك 
يا أكرم من دُعي، ويا خير من رُجي. 

۞۞۞۞۞۞۞


تأملوا وتفكروا!!
أبو طالب بالقرب من الحجر الأسود! 
أبو لهب عند زمزم! 
أبو جهل بجوار الصفا والمروة! 
لكنهم لم يُوفقوا إلى الهدى والنور والإيمان! لم يُوفقوا لوضع جباههم لربهم! 
ولم يستجيبوا لرسول الله ، إنه الخذلان والحرمان من حرمة الرحيم الرحمن. 
ورحم الله من قال: الأنساب والبقاع لا تزكي أحدا. 
أما صهيب الرومي، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وأبو هريرة، وبلال الحبشي، وابن مسعود، فقد جمعتهم كلهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله. 
وفقهم الباري بتوفيقه، فشقوا الطرق والأودية والهضاب، يحملهم الحب والحنين لرسول رب العالمين؛ حتى وصلوا مكة وعاشوا على أرضها وتحت سمائها، فاطمأنت قلوبهم وأرواحهم، ونالوا شرف صحبة رسول الله ، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، فرضوان الله عليهم، {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].
بل، وتأمل في قول الحق تبارك وتعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122].
قال ابن كثير (رحمه الله): «هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتًا أي: في الضلالة هالكًا حائرًا، فأحياه الله أي: أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له، ووفقه لإتباع رسله». 
وكما قيل: «الناس كلهم متساوون في تلقي نور الهداية ورسالة الوحي: كتاب الله وسنة رسول الله ، وبعد ذلك يأتي توفيق الله ورعايته. {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125]».


۞۞۞۞۞۞۞


بل انظر معي إلى فضل الله وكرمه وتوفيقه: 
بلقيس خرجت إلى سليمان  ترجو الحفاظ على عرشها وملكها، فرجعت مسلمة لله رب العالمين {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44].
وتأمل في كرم الكريم الأكرم وتوفيقه لعبده: 
• عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل، كيف كان؟ وكيف أصبح؟ كان راعيًا لغنم سيده الكافر عقبة بن أبي مُعيط، يخدمه ليلًا ونهارًا، ثم أصبح بعد ذلك خادمًا لمن؟! لرسول رب العالمين . 
• وهذا النجاشي ملك الحبشة لم ير النبي  في حياته، فيلتقي مع أحد أصحاب النبي  فيسمع آيات تتلى من القرآن العظيم، ويسمع عن أخلاق نبينا الكريم في موعظة قصيرة، فتقوده إلى الإيمان والإسلام ويموت عليهما، ثم يصلي عليه نبينا  صلاة الغائب، رسول رب العالمين يصلي ويدعو له بالرحمة والمغفرة. 
فأي توفيق بعد هذا؟! 
فتوفيق الله للعبد لا يكون بالنسب، ولا باللون، ولا بالوطن، وإنما فضل الله يؤتيه من يشاء. 
• وهذا سُراقة بن مالك في بداية أمره يريد القبض على رسول الله ، ويسلمه لزعماء قريش في مكة؛ لينال «الجائزة الدنيوية» مائة ناقة، وإذا بالأمور تنقلب رأسًا على عقب، ويصبح يرد الطلب عن رسول الله ، فجعل لا يلقى أحدًا من الطلب إلى رده، قائلا: كفيتم هذا الوجه! أي: هذا الطريق. 
فلما اطمأن أن النبي  وصل إلى المدينة، جعل سراقة يقص ما كان من قصته وقصة فرسه، واشتهر هذا عنه، وتناقلته الألسن حتى امتلأت به نوادي مكة. 
لقد عاد بعد هذه المغامرة الخاسرة ماديًا بأوفر ربح وأطيب رزق، وهو رزق الإيمان والهداية والتوفيق، ثم يُتوج بعد ذلك بأفضل من مائة ناقة؛ بسواري كسرى، فسبحان مقلب القلوب، وموفق من شاء من عباده! 
وفي هذا المقام – مقام التوفيق – يقول الحسن بن علي بن أبي طالب : يا أصمعي، إن الله خلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبدًا حبشيًا، وخلق النار لمن عصاه، وإن كان ولدًا قرشيًا! يا أصمعي، أما سمعت قول الله جل وعلا {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ} [المؤمنون: 101].
ولنعلم ونحن في بداية طريقنا أن من أعظم العقوبات هو إصابة الإنسان بالخذلان في حياته الدنيا والغفلة عن آخرته {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14].
عندها يصرخ صرخة الندم والألم! {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100].
قال الفضيل بن عياض (رحمه الله): «من استحوذت عليه الشهوات، انقطعت عنه مواد التوفيق». 
نعم، إنها مواد التوفيق والخيرات والبركات والفضائل. 
نُذكر بذلك؛ لتعرف – أيها الموفق – أين تضع خطواتك في سيرك إلى ربك. 
وفي رسالة لطيفة يقول الشيخ صالح المغامسي حفظه الله: أعظم شيء ارتفع وصعد إلى السماء الإخلاص، وأعظم شيء نزل إلى الأرض التوفيق، وبقدر الإخلاص يكون التوفيق. ا.هـ. 
وأعظم أمر يستدل به المرء على إخلاصه عبادته في حال السر والخفاء، فإن قام بطاعة الله عند غياب الناس إليه فهو مخلص، كما ذكر ذلك الشيخ عبد العزيز الطريفي وفقه الله. 
والآن، هيا بنا – أيها الأحبة – نقف وإياكم على هذه المعالم على طريق التوفيق؛ لعلنا نسير في ركابهم، ونقتفي آثارهم، فالقافلة في انتظارنا. 
إضاءة على الطريق: 
التوفيق: 
لا يُطلب بالمال ولا بالحسب ولا بالجاه. 
وإنما توفيق من الله يصطفي من يشاء من عباده. 

۞۞۞۞۞۞۞

 
أولًا: القرآن الكريم

إن من أعظم معالم التوفيق: حبك للقرآن الكريم، والعيش معه، وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، والعمل به والدعوة إليه، ودعمه وتشجيعه. 
القرآن الذي ما أُعطي حقه وقدره في هذا الزمان {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9].
أيها الموفق تأمل في هذا الأجر الكبير: 
عن عقبة بن عامر : خرج رسول الله  ونحن في الصفة فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟» فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك. قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم، أو يقرأ آيتين من كتاب الله  خيرٌ له من ناقتين، وثلاث خيرٌ له من ثلاث، وأربع خيرٌ له من أربع ومن أعدادهن من الإبل». [صحيح مسلم]. 
الله أكبر ولله الحمد! 
كم تستغرق هذه الآيات من دقائق معدودة، فترى العبد الموفق مثلا بعد صلاة الفجر أو العصر يجلس في مسجده ولو لعشر دقائق يقرأ ويتدبر في كتاب ربه ومولاه، يحرك قلبه ويستجيش مشاعره، يجمع من الحسنات آناء الليل وأطراف النهار، يستزيد منه رحمة وهدى وشفاء وتوفيقا. 
تأمل أيها الموفق: 
عن عبد الله بن مسعود  قال: قال رسول الله : «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». [رواه الترمذي (2910)، وقال حديث صحيح]. 
إنه القرآن الكريم! أعظم كتاب نزل من السماء {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الإسراء: 105].
قال بعض السلف: «القرآن ثقيل لا يقدر أن يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق مزين بالتوحيد». 
ألم يقل ربنا: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5]؟
يقول الصحابي الجليل أبو هريرة : «البيت الذي يتلى فيه كتاب الله كثر خيره، وحضرته الملائكة، وخرجت منه الشياطين، والبيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله ضاق بأهله، وقل خيره، وحضرته الشياطين، وخرجت منه الملائكة». ا.هـ. 
{قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].
ويهتف الشيخ صالح المغامسي حفظه الله قائلاً: «لا يُرام صلاح قلب وإصلاح نفس إلا بالقرآن، ولا يقام ليل حق القيام إلا بالقرآن، ولا يوجد كتاب قرأته كنت أقرب إلى ربك أعظم من القرآن، ولا شفاء لأرواح الموحدين وقلوب العابدين إلا بالقرآن». ا.هـ.
أخي الموفق: 
تأمل في هذه الآية التي تهز قلب المؤمن وتزيده إيمانا وحبا وإقبالا على كتاب ربه: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51].
أيها الموفق: 
أكثر من قراءة كتاب ربك الكريم، ليلًا ونهارًا، ابدأ يومك بالقرآن واختم يومك بالقرآن، واجعل لك وردًّا لا يفوتك أبدًا بإذن الله، اجعل لك محفوظًا يوميًا ولو آية واحدة من كتاب الله، تزيد بها إيمانك، إن العجز كل العجز من عجز عن حفظ ودراسة وتفسير آية واحدة فقط، ابذل الجهد، فرّغ نفسك، لا يمر عليك يوم إلا وقد قرأت فيه القرآن، اجعل بجوارك تفسيرًا ميسرًا، تطالع فيه ما لا تعرفه وتجهله، مع الاجتهاد في العمل به، والدعوة إليه، فإن هذا هو طريق الموفقين. 
إضاءة على الطريق: 
كتاب الله بين يديك.  
فماذا أعطيته من جهد ووقت وتلاوة وتدبر وعمل واستجابة؟ 
أجب على نفسك بكل صراحة! 

۞۞۞۞۞۞۞

ثانيًا: السنة نجاة

ومن معالم التوفيق السير على ما سار عليه محمد ، واتباع سنته ظاهرًا وباطنًا؛ في صلاته وصيامه وحجه وذكره وبيعه وشرائه وبيته ومعاملته وحِلَّه وترحاله، وفي كل شأن من شئون حياته، بل لا يكتفي بذلك، بل يدعو لها ويبلغها أسرته وأقاربه وأحبابه وجيرانه وكل من يعرف. هذا دأب الموفق إلى أن يلقى ربه وهو على سنة المصطفى . {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163].
هذا هو الإسلام حقًّا، حياتك كلها لله، وهذا والله هو طريق التوفيق. 
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7].
فالسنة كالسفينة؛ من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق كما قال مالك (رحمه الله)، وبقدر ما تعلم وتعمل بسنة رسولك  يكون توفيقك وسعادتك في الدنيا والآخرة. 
هذا فاروق هذه الأمة يقول: والله إني لأُقبّلك، وأني أعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله  قبَّلك ما قبلتُك. 
وهذا يدل دلالة واضحة صادقة في اتباع سنة نبينا محمد  والحرص عليها قولًا وعملًا. 
قال الحافظ ابن حجر (رحمه الله): وفي قول عمر هذا التسليم للشارع في أمور الدِّين وحُسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي  فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة فيه. 
يقول الشيخ صالح بن طالب حفظه الله: منزلة المؤمن تقاس باتباعه للرسول ، وكلما كان تطبيقه للسنة أكثر كان عند الله أعلى وأكرم؛ فالتمسك بالسنن تحصين للفرائض والواجبات، وباب لزيادة الأجر والحسنات وجنوح إلى الأجمل والأكمل، وهو شرف الاتباع وحلاوة الاقتداء، فلا تزيغ به الأهواء، وفوق هذا كله محبة الله الجليل. 
ويذكرنا الحافظ ابن حجر (رحمه الله) بقوله: وقد كان صدر الصحابة ومن تبعهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض، لا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابهما. 
، ذلكم هو الجيل المتميز الموفق. 
آهٍ ثم آه! كم تُركت من سُنة من سنن المصطفى في هذا الزمن مع الأسف! وما ذاك إلا لضعف الإيمان في تلك القلوب، وعدم استشعار الأجور الكبيرة المترتبة على ذلك، وسيأتي علينا يوم نعرف فيه قدر وعظمة الحسنة الواحدة. 
بل إن من علامات حب السُّنة النبوية أيها الموفق ما يلي: 
• كثرة قراءتها ومطالعة كتبها – وها هي بين أيدينا مطبوعة أجمل الطبعات الفاخرة – صحيح البخاري، ومسلم، إلخ، فهل من قارئ لها؟ 
• محاولة حفظها والحزن والأسف على فوات ذلك. 
• الفرح بمجالسها ومنتدياتها ولقاءاتها. 
• الشوق إليها إذا طالت الغيبة عنها. 
• تطبيقها في جميع جوانب الحياة. 
• كما ذكر ذلك د: خالد اللاحم في كتابه الرائع مفتاح تدبر السنة، بل وتأمل في كلام ابن بطة (رحمه الله) في الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة قال: 
ومن السنة اتباع رسول الله ، والاقتفاء لأمره، والاقتداء بهديه والأخذ بأفعاله، والانتهاء إلى أمره، وإكثار الرواية عنه في كل ما سنّه واستحسنه وندب إليه، وحرض أمته عليه ليتأدبوا به، فتحسن بذلك في الدنيا آدابهم، ويعظم عند الله قدرهم. 
ويقول الدكتور خالد أبو شادي – وفقه الله – في رسالة بعنوان: حبا بحب. 
إنه باب عظيم أن تحيا ورسول الله  في خاطرك، في ضميرك، يُملي عليك أفعالك، أقواله تصنع أفعالك، سيرته تصوغ سيرتك في امتزاج بديع، وتآخ رفيع بينك وبين نبيك ، والحب كان ولا يزال ثمرة المعرفة، فكلما كانت معرفتك بنبيك أكبر، كلما كان حبك له أقوى واقتداؤك به أشد؛ لأجل هذا كان الناس متفاوتين في محبتهم لنبيهم واقتدائهم به تبعًا لتفاوت معرفتهم به وبقدره. 
أيها الموفق: 
ارفع رأسك، واعتز بدينك، واتبع نبيك؛ فهو الأسوة والقدوة لك، وسر على بركة الله؛ فإنك على الحق المبين. 
وتذكر دائما قول فاروق هذه الأمة : «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]».
قال ابن سعدي (رحمه الله): «وهذه الأسوة الحسنة إنما يسلكها ويوفق لها من كان يرجو الله واليوم الآخر، فإن ما معه من الإيمان وخوف الله ورجاء ثوابه وخوف عقابه يحثه على التأسي بالرسول ». 
وصدق الله: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].
إضاءة على الطريق: 
كتاب الموفق من جعل سنة نبيه .  
أمام عينيه، متبعًا لها عاملًا بها، داعيًا إليها. 
۞۞۞۞۞۞۞
 

الأحد، 28 سبتمبر 2025

الاحتضار عند الموت


 ﴿ (15)  كتيب لحظات الاحتضار ﴾ 
۞۞۞۞۞۞۞

 بسم الله الرحمن الرحيم

أخي الكريم: تذكر أن الآخرة مقبلة، وأن الدنيا مدبرة، وأن الموت حقيقة لا محيد لك عنها، وشراب لا بد لك أن تشربه، وباب لا أبالك أن تلجه. فهل أعددت للقبر عدته؟ وللسؤال جوابه؟ !!
فلا أحد يجهل حقيقة الموت، ولا أحد يجادل في وقوعه وحصوله، ولكن أين من يصدق علمه عمله؟ ومقاله فعاله؟ !! ولذلك قيل: ما رؤي شيء يقين أشبه بالشك من الموت!!
فالموت يأتي بجهازه على الصغير والكبير، والرفيع والوضيع، والغبي والذكي والأبله والداهية، والمعسر والموسر، والملك والمملوك.
قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ.
وقال سبحانه: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ*وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فالعاقل من يفكر في المآل، ويدع ما يكون مصيره إلى زوال، ويشغل النفس بالبر والتقوى وما فيه خير الآخرة والعقبة.
والهالك، من أتبع نفسه هواها، وضيع أيامه في شهوات وملذات، وولج أبواب المعاصي والسيئات، وباع خسيسًا بنفيس.
يا نفس ويحك! للمتاب فبادري

من قبل أن تأتي الذنوب مسطره

يا نفس جدي في التقى وتزودي

عملاً وكوني للقا مستشعره

يا نفس كم قوم على الدنيا احتووا

ظلمًا وما لهم إذا من آخره

يا نفس توبي اليوم من قبل الردى

فعسى تكوني في غد مستبشره

وتذكر أخي الكريم: أن الدنيا أيام معدودة، مستعارة مردودة، وأنك فيها في ابتلاء وأنها لك دار حظ وعمل، وأنه لا مفر لك من نهاية الأجل، وأن القبر فتنة وحساب فإما نعيم وإما عذاب، وأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. ففريق في الجنة وفريق في السعير.
فهل أعددت للموت عدته؟ وهل فكرت يومًا في وحشة القبور؟ وهل تأملت في أهوال الحشر والنشور؟ 
أعد على فكرك أسلاف الأمم

وقف على ما في القبور من رمم

ونادهم أين القوي منكم

والقاهر أم أين الضعيف المهتضم

تفاضلت أوصافهم فوق الثرى

ثم تساوت تحته كل قدم

۞۞۞۞۞۞۞
 
أولاً: لحظات المحتضرين
أخي الكريم: هل فكرت في يوم من الأيام كيف ستكون خاتمتك؟ هل خلوت بنفسك يومًا وسألتها: كيف قد تكونين يا نفسي ساعة الاحتضار؟ كيف سيكون حالك والناس مجتمعون حولك يبكون، ويتأسفون ولا أحد منهم يجد لك حيلة أو شفاء؟ 
كيف سيكون جوابك إن لقنك الحاضرون «لا إله إلا الله»؟ هل ستقولينها أم ينقبض اللسان؟ هل ستقبلينها أم تردينها فيختم لك بالكفر؟ 
فلربما كانت تلك الأسئلة من دواعي يقظتك، ومن موجبات زوال غفلتك، وانقطاعك عن اللهو واللعب، وتناسي لحظات الاحتضار العصبية، وثواني الفراق الأليمة، حيث سكرات الموت وخروج الروح وانتهاء العمر والأجل.
أخي: 
هب أنك قد ملكت الأرض طُرًا

ودان لك البلاد فكان ماذا

أليس غدًا مصيرك جوف قبر

ويحثو الترب هذا ثم هذا

فتفكر يا عبد الله، فإنما هي أيام ولحظات وساعات معدودات، ويأتي داعي الموت، فلا هروب ولا محيد. وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ.
مشيناها خطى كتبت علينا

ومن كُتبت عليه خطى مشاها

وأرزاق لنا متفرقات

فمن لم تأته منا أتاها

ومن كتبت منيته بأرض

فليس يموت في أرض سواها

۞۞۞۞۞۞۞

من أحوال المحتضرين: 
ولا بأس أخي الكريم، أن أذكر لك بعض لطائف المحتضرين، ممن فتح عليهم لحظة الموت بالثبات واليقين وختم لهم بصالح الأعمال، جزاء ما قدموا في حياتهم من الطاعات والقربات.
فقد حكى القرطبي في كتابه التذكرة: عن شيخ شيخه أحمد بن محمد القرطبي أنه احتضر فقيل له: قل لا إله إلا الله، فكان يقول: لا. فلما أفاق ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن يساري. يقول أحدهما: مت يهوديًا فإنه خير الأديان. والآخر يقول: مت نصرانيًا فإنه خير الأديان. فكنت أقول لهم: لا. لا. أنى تقولان هذا!! فكان الجواب لهما (لا) لكم.
فالله، الله، إذا نزل بك الموت، فلا يكن لك هم إلا الثبات على الدين والاستغفار من الذنوب، والتوبة النصوح، لعلك تلقى ربك طاهرا نقيًا. فإن عوارض الفتن عند الاحتضار لا تحصى، فربما وجد المرء تشوقًا إلى الدنيا، وانزعج لفراق الأحبة، أو ضعف عن تحمل سكرات الموت وزفراته، أو فتنه شيطان مريد فمال الإنسان عن دينه نسأل الله الثبات وحسن الخاتمة.
وعن عبد الله بن الإمام أحمد، قال: حضرت وفاة أبي، فكان يغرف ثم يفيق ويقول: لا بعد. لا بعد. فعل هذا مرارًا، فقلت له: يا أبتّ أي شيء يبدو منك؟ قال: الشيطان قائم بحذائي عاض على أنامله يقول: فتني يا أحمد. وأنا أقول: لا بعد حتى أموت.
فتذكر – أخي الكريم – عسر هذه اللحظات، وتذكر ما يحصل فيها من البلاء والفتن، فوالله إنها لأحرى بالتذكر والتأمل، والاستعداد والتشمير عن ساعد الجد بالانتهاء عما حرم الله، وفعل ما افترضه وأوجبه، والإكثار من الخيرات وما ينفع في الدار الآخرة. فإن ذلك من أعظم ما يسهل على المرء سكرة الموت، ويجعله ثابتًا موقنًا من دينه ساعة الاحتضار.
فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يحتضر ويقرأ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: 54، 55].
وهذا العلاء بن زياد لما حضرته الوفاة، بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: كنت والله أحب أن استقبل الموت بتوبة. قالوا: فافعل رحمك الله فدعا بطهور فتطهر، ثم دعا بثوب له جديد فلبسه، ثم استقبل القبلة، فأومأ برأسه مرتين أو نحو ذلك، ثم اضطجع ومات. ولما احتضر عامر بن عبد الله بكى، وقال: لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون، اللهم إني أستغفرك من تقصيري وتفريطي، وأتوب إليك من جميع ذنوبي، لا إله إلا الله ثم لم يزل يرددها حتى مات.
ومن لطيف قدرة الله، أنه سبحانه وتعالى يثبت المؤمنين بالقول الثابت لحظة الاحتضار وما ذلك إلا ثمرة صبرهم وتقواهم وملازمتهم للطاعات وبعدهم عن الخطايا والمعاصي والسيئات.
وهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله، عند موته يقول: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأحد النظر. فقالوا له: إنك لتنظر نظرًا شديدًا يا أمير المؤمنين. قال: إني أرى حضرة ما هم بإنس ولا جن ثم قبض رحمه الله وسمعوا تاليًا يتلو: تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: 83].
أخي: 
فكن بالله ذا ثقة وحاذر
هجوم الموت من قبل أن تراه

وبادر بالمتاب وأنت حي
لعلك أن تنال به رضاهُ

۞۞۞۞۞۞۞


ثانيًا: كيف نستعد للموت؟
أخي المسلم: أما وقد عرفت أن لحظة الاحتضار، لحظة امتحان، وأن الموت حتم لازم، ليس منه بد ولا منه مفر، فكن لتلك اللحظات على استعداد، وتزود بالتقوى ليوم المعاد، واعلم أنك تموت على ما حييت عليه، وأنك تبعث على ما مت عليه. فكيف نستعد للموت؟ !
1- اجتناب المنهيات: 
فاجتنب أخي الكريم ما نهاك الله عنه، وجاهد نفسك بالابتعاد عن الشهوات والشبهات واعلم أن الله جل وعلا يغار على محارمه. فعن أبي هريرة . أن النبي  قال: «إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المرءُ ما حرم الله عليه». وقد أوعد الله جل وعلا من تعدى حدوده وانتهك حرماته بالفتنة والعذاب. فقال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63].
واعلم حفظك الله، أن جملة ما نهى الله جل وعلا عنه يتلخص في ثلاثة أمور: 
الأول: الشرك. الثاني: الظلم. الثالث: الفواحش.
قال تعالى في وصف المؤمنين: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ [الفرقان: 68].
فعامة ما نهى الله جل وعلا ينضوي تحت هذه الثلاثة. فمن وفق لاجتنابها فقد استعد للموت حق الاستعداد، وكان اجتنابه نجاة له يوم المعاد.
فقد حرم الله جل وعلا عنه الشرك وجعله موجبًا للخلود في النار فقال: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء».
وحرم الظلم فقال: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [الحج: 71].
وعن جابر  أن رسول الله  قال: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» [رواه مسلم، 2578].
وحرم الله جل وعلا الفواحش فقال: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ[الشورى: 37]. فهذه الثلاثة أصول المنهيات كلها، فمن حقق اجتنابها فقد اجتنب عامة ما نهى الله عنه. من الغيبة والنميمة والكذب وعقوق الوالدين وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والغش والخداع والمكر والغدر والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك مما يعد انتهاكًا لحرمات الله وحدوده.
نادي القصور التي أقوت معالمها

أين الجسوم التي طابت مطاعمها

أين الملوك وأبناء الملوك ومن

ألهاه ناضر دنياه وناعمها

أين الأسود التي كانت تحاذرها

أسد العرين ومن خوف تسالمها

أين الذين لهوا عما له خلقوا

كما لهات في مراعيها سوائمها

أين العيون التي نامت فما انتبهت

واهًا لها نومة ما هب نائمها

2- أداء الفرائض والواجبات: 
ولا تنجلى حقيقة إسلام العبد إلا بأداء ما افترضه الله عليه، ومن ذلك الصلاة والزكاة والصيام والحج لمن استطاع إليه سبيلا، فهذه هي ثوابت الإسلام وأركانه. فعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله  يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان».
فمن حافظ على هذه الفرائض وأداها على الوجه الذي يليق كما بين رسول الله  فقد جمع خصال الخير والفضل، وكان له ذلك أكبر عون على سكرات الموت ووحشة القبر وأثابه الله على ذلك أجرًا عظيمًا.
فعن أبي هريرة : أن أعرابيًا أتى النبي  فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته، دخلت الجنة، قال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا فلما ولى»، قال النبي : «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا».
نسأل الله أن يوفقنا للاستعداد ليوم الحاجة والمعاد، باجتناب ما حرم وفعل ما أمر ولا يجعلنا في النادمين ولا من الذين يطلبون الرجعة، ويسهل علينا شدة القبر وعلى جميع المسلمين.
إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى

تقلب عريانًا وإن كان كاسيا

وخير خصال المرء طاعة ربه

ولا خير فيمن كان لله عاصيا

3- تذكر الموت ومحاسبة النفس: 
أخي الكريم: ومما يعلي الهمة، ويدفع النفس إلى الاستعداد للموت، دوام ذكره ومذاكرته، وتوقع حصوله في كل لحظة وحين، ومحاسبة النفس على الأقوال والأفعال والخواطر.
قال سفيان: من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار.
وقال حاتم الأصم: من مر بالمقابر فلم يتفكر لنفسه ولم يدع لهم فقد خان نفسه وخانهم. ولذلك فقد رغب رسول الله  في زيارة القبور لما لها من أثر بليغ على النفوس. فعن علي  عن النبي  قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها فإنها تذكركم الآخرة».
وروي عن داود الطائي أنه مر على امرأة تبكي على قبر وهي تقول: 
عدمت الحياة ولا نلتها
إذا كنت في القبر قد لحدوكا

فكيف أذوق طعم الكرى
وأنت بيمناك قد وسدوكا

ثم قالت يا ابناه ليت شعري بأي خديك بدأ الدود؟ فصعق دواد مكانه وخر مغشيًا عليه.
فأكثر أخي الكريم، من ذكر هادم اللذات، واعلم أنه آت لا محالة، واستعد للحساب وامتحان القبر.
قال عمر بن الخطاب: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية.
ولذا ينبغي للعبد أن يحاسب نفسه كل وقت وحين على أداء الفرائض، واجتناب النواهي وأين قضى يومه، ومن أين اكتسب ماله، وفيم أنفقه، وماذا بطش بيده وأين سارت رجله، وماذا رأت عينه وماذا سمعت أذنه؟ 
فمتى كان العبد شديد المحاسبة لنفسه، مداومًا على التوبة والاستغفار مما يجده من التقصير والتفريط في جنب الله، كان أقرب إلى الثبات عند الموت، وأبعد عن الفتنة وشدة البلاء.
3- الإكثار من الطاعات والقربات: 
ومن ذلك الحرص على النوافل والأذكار، وأعمال الخير وبذل المعروف، والتخلق بالخلق الحسن مع الناس، فإنه ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من الخلق الحسن.
قال رسول الله : «كل معروف صدقة».
وقال : «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة».
وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط قال: لما حضر أبا بكر الصديق الموتُ دعا عمر فقال له: اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملاً بالنهار ولا يقبله بالليل، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى فرضيته، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم وحق لميزان يوضع فيه الحق غدًا أن يكون ثقيلاً».
فاغنم العمر وبادر
بالتقى قبل الممات

وأنب وارجع وأقلِعْ
من عظيم السيئات

واطلب الغفران ممن
ترتجي منه الهبات

ثم نادي في الدياجي
يا مجيب الدعوات

اعف عنا يا رحيما
وأقلنا العثرات

وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التوحيد والشرك

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

نذكر في هذا الموطن أمرين على أحدهما مدار سعادة العبد في الدنيا والآخرة.

وعلى الآخر مدار شقاوة العبد في الدنيا والآخرة.

ألا وهما التوحيد والشرك

.

التوحيد الذي من أجله خلق الله الخليقه، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾. التوحيد الذي من أجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ

وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إليه أنه لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾.

 التوحيد الذي من أجله شرع الله عز وجل الجهاد، قال الله عز وجل: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾.

التوحيد الذي هو رأس الفضائل، فعند مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شُعْبة، فأفضلُها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعْبة من الإيمان».

التوحيد الذي من مات عليه دخل الجنة، قال الله عز وجل ﴿فَاعْلَمْ أنه لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وعنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أنه لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الْجَنَّةَ». أخرجه مسلم, وعن معاذِ بن جبل، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: "من كان آخرُ كلامهِ لا إله إلا اللهُ دخل الجنة" أخرجه أبو داود (3116), وفي سنده صالحُ بن أبي عَرِيبٍ لكنه في الباب .

التوحيد الذي هو أعظم ما يؤدي إلى شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، بل لا شفاعة لغير موحد، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾. وفي حديث: أبي هريرة رضي الله عنه عند "البخاري" قَالَ: يا رَسولَ اللهِ مَن أسْعَدُ النَّاسِ بشَفَاعَتِكَ يَومَ القِيَامَةِ؟ قالَ رَسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «لقَدْ ظَنَنْتُ يا أبَا هُرَيْرَةَ أنْ لا يَسْأَلُنِي عن هذا الحَديثِ أحَدٌ أوَّلُ مِنْكَ لِما رَأَيْتُ مِن حِرْصِكَ علَى الحَديثِ أسْعَدُ النَّاسِ بشَفَاعَتي يَومَ القِيَامَةِ، مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، خَالِصًا مِن قَلْبِهِ، أوْ نَفْسِهِ».

التوحيد الذي لا يدخل الجنة إلا أهله، في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبي: «وَالذِّي نَفْسِي بِيَدِه لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ», في أدلة كثيرة في الباب .

وأول ما بدأ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في دعوته التوحيد، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  يسير في الأسواق ذي المجاز, والمجنة وعكاظ والموسم يعرض نفسه على قبائل العرب يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». أخرجه الدارقطني عن طارق المحاربي رضي الله عنه

وقَالَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «أمرتُ أَنْ أُقاتِل النَّاسَ حتَّى يَقُولُوا لاَ إِلهَ إِلاَّ الله فَمَنْ قَالهَا، فقَدْ عَصَمَ مِني مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّه، وَحِسَابُهُ عَلى الله» متفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنه.

و وعن طارق بن أشيم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَن قالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بما يُعْبَدُ مَن دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ علَى اللهِ» أخرجه مسلم.

التوحيد حسنته لا تحبط إلا بالشرك، وإلا فهو أعظم حسنة، قال الله عز وجل: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] , والسيئة هنا الشرك, كما هو تفسير السلف.

وفي حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَسْتَخْلِصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ قَالَ: لَا، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَلَكَ عُذْرٌ، أَوْ حَسَنَةٌ ؟فَيُبْهَتُ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً وَاحِدَةً، لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ، فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ، فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: أَحْضِرُوهُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، قَال: فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ، وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، ولَا يَثْقُلُ شَيْءٌ معَ اسْمِ اللهِ»

والتوحيد أصحابه هم الكرام، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾.

وأصحابه هم أولياء الله، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.

وأصحابه هم المقربون من رب العالمين وهم الموعودون بجنة النعيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54- 55] ، ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١)﴾.

 والتوحيد من أتى به على وجهه يدخل من أي أبواب الجنة الثمانية ففي حديث عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَىٰ عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ الله مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ» متفق عليه.

وفضائله عظيمة فهو حق الله المقدم وحقه المعظم، ففي حديث مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ  رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ. قَالَ: فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ وما حقُّ العبادِ عَلَى الله؟» قَالَ قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللهِ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً» قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَفَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لاَ تُبَشِّرْهُمْ. فَيَتَّكِلُوا» متفق عليه .

فشأن التوحيد عظيم، فعن جابر رضي الله عنه  قال أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً فقال يا رسول الله ما الموجبتان فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَن ماتَ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن ماتَ يُشْرِكُ باللهِ شيئًا دَخَلَ النَّارَ» أخرجه مسلم .

فعلى الإنسان أن يتعلم هذا الباب العظيم, وأن يكون موحدا لله بقلبه، وقوله، وجوارحه، وفي جميع شأنه، فإن الله عز وجل أمر بهذا ﴿وَمَا أمروا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ﴾ .

لأن الشرك محبط للعمل, فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تركته وشركه». أخرجه مسلم

 إذ أن الله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً له وحده، ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.

راقب أقوالك، وأفعالك ونياتك فربما تتكلم بمخالفة التوحيد وأنت لا تدري, وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة يقولون: (ما شاء الله وشاء محمد), فَقَالَ: "قُولُوا: مَا شَاءَ الله ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ",  وكثير من الناس يحلفون"بالأمانة" والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا». رواه أبو داود في "سننه" عن بريدة رضي الله عنه .

فراجع اعتقاداتك وليكن اعتمادك وتوكلك على الله، وليكن رجاءك ورغبتك في الله، وراجع أفعالك من صلاة وحج وطواف وذبح ونذر. يجب أن تكون كلها لله عز وجل فلا يجوز أن يشرك معه غيره لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا, وجميع ما يتعين عليك لله, قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي الله رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أمرتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.

وأما الشرك فخطره عظيم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (٧٢)﴾، ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ۚ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ ، وقال الله عز وجل: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ، وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾.

فالشرك أعظم ذنب عصي الله عز وجل به، ولذلك لا يغفره ولا يتجاوز عن أهله إلا بتوبة نصوحا، قبل موتهم. قال الله عز وجل: {إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، ويدخل في عموم الآية الشرك الأكبر والأصغر, إلا أن الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار, والأصغر يُعذب صاحبه بقدر شركه, ثم يكون إلى الجنة .

قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾, وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: يا رسول الله! أيُّ الذنبِ أعظمُ قال : «أن تجعلَ للهِ نِدًّا وهو خلقكَ» متفق عليه .

فالشرك أردى أهله وأخزاهم، في الدنيا والآخرة, أما في الدنيا فهم شر البرية، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ إذا نٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾, وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد: 12], فهم في الدنيا كالأنعام السائبة التي لا تعرف لنفسها مصلحة ولا مضره ولا يهمها إلا أن تأكل وتشرب وتتنعم.

وهم في الآخرة في النار ﴿يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾، وقال الله عز وجل: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى (١٣)﴾, وقال تعالى: ﴿لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (٣٧)﴾.

وقال تعالى: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 19 - 22]

والشرك قسمان: أكبر يخلد صاحبه في النار، وأصغر يستوجب صاحبه النار ولا يمكن أن يدخل الجنة حتى يعذب على شركه, ومن أعظم أسباب الشرك: الكبر, قال تعالى: { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأنهم  كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146].

وقد استكبر الكفار عن قول لا إله إلا الله, فما أفلحوا, قال تعالى: ﴿أنهم  كَانُوا إذا  قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾.

والمشكلة أن الشيطان جعل طرقا إلى الشرك وزينها, فعظم لهم شأن الصالحين، وجعل تشييد القباب، وزيارتها، والطواف بها، والدعاء، والنذر لها من التوحيد، ومن تعظيم الأولياء وما هو إلا مخالفة صريحة لدين رب العالمين, إذ يقول الله عزوجل: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ الله فَلَا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَدًا} [الجن: 18] ولأمر سيد المرسلين -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا تَدَعَ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» أخرجه مسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تجعلوا قَبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ فإنَّ صلاتَكُم تبلغُني حَيثُ كنتُمْ» أخرجه أبو داود (2042) .

وعن عائشة رضي الله عنها، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ الله إليهودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». يحذر ما صنعوا» متفق عليه, وفي حديث جندب رضي الله عنه  « أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» أخرجه مسلم (532) .

ومن وسائل الشرك العبادة في أماكن الزور والقبور, وهذا إذا  كنت لله تذبح وتنذر وتصلي عند القبر لله فأنت متشبه بهؤلاء الملعونين، فكيف بمن صلاته وحجه ونذره ودعائه للقبر، وكيف بمن رجاؤه ورغبته وخوفه من القبر، وهكذا نذره، وذبيحته للقبر، فلا شك أن هذا مشرك شركاً أكبر مخرج من الملة.

وقد انتشر هذا البلاء في بلاد المسلمين، وعم وطم لا سيما مع وجود أهل الضلال من غلاة الصوفية والباطنية والرافضة عباد القبور فينبغي للمسلمين أن يتعلموا التوحيد، وأن يحذروا الشرك، والكفر، والتنديد، فإنه والله لا رفعة ولا سعادة لهذه الأمة إلا بتعظيم حق رب العالمين، والبعد عن طرق الشياطين، قال تعالى: {وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55], والبعد عن وسائل الشرك من تصوير ذوات الأرواح, وشد الرحال إلى القبور والمشاهد, والغلو في الصالحين, وغير ذلك من الوسائل, والله المستعان, الحمد لله رب العالمين.


زوجة أبي لهب

زوجة أبي لهب

أم جميل بنت حرب بن أمية، حمّآلة الحطب، زوجة أبي لهب بن عبد المطلب :   وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ   (سورة المسد، الآيتين 4). غضبت عندما نزلت سورة المسد وازداد كرهها لرسول الله رغم أن ولديها عتبة وعتيبة تزوجا بنتي الرسول وهما أم كلثوم ورقية اللتان تزوجهما عثمان بن عفان تباعا بعدهما

ذكرت في القرأن الكريم في سورة المسد بوصفها امرأة أبي لهب ولم يذكرها باسمها صراحة فقال عز وجل :  وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ  فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ   (سورة المسد، الآيتين 4-5). من نار. وأخرج ابن جرير والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس في قوله:  وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ  . قال : كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبي ليعقره وأصحابه

فقد كانت تحمل الشوك، فتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجها أبو لهب : عبد العزى، كني بذلك لتلهّب وجنتيه وإشراقهما، أو في النار مناسبة لحاله فيه والنساء منهم من ذكر اسمها بشكل صريح أو ضمني

السبت، 27 سبتمبر 2025

أبو بكر الصديق من المبشرين بالجنة

أبو بكر الصديق
 

هو أول الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو وزير الرسول صلى الله عليه وسلّم ،و هو من أكثرَ الصحابة إيماناً وزهداً، وأحبَّ الناس إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم بعد زوجته عائشة. كان من أغنياء قريش في الجاهلية، دخل الإسلام دون تردد بعد أن دعاه الرسول عليه الصلاة والسام ، فكان أول رجل أسلم في عهد الرسول. شهد غزوة بدر والمشاهد كلها مع سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلّم ، وهو من أمّ بالناس في الصلاة عندما توفي النبي محمد يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ، وبويع أبو بكر بالخلافة في اليوم نفسه، فكان مسؤولاً عن إدارة شؤون الدولة الإسلامية من تعيين الولاة والقضاء وتسيير الجيوش

اسمه

عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي
 

كنيته

أبو بكر

لقبه
كان يُسمى " الأوّاه " لرأفته

 عتيق ، والصدِّيق

: لُقّب بـ " عتيق " لأنه 

 كان جميلاً لعتاقة وجهه .  قديم في الخير 

 كانت أم أبي بكر لا يعيش لها ولد ، فلما ولدته استقبلت به البيت ، فقالت : اللهم إن هذا عتيقك من الموت ، فهبه لي

 لُقّب بـ " الصدّيق " لأنه : صدّق النبي صلى الله عليه وسلم لُقّب بـ " الصدِّيق " لأنه أول من صدّق وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من الرجال سماه الله صديقا فقال سبحانه : ( وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) جاء في تفسيرها :أنّ النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي جاء بالصدق ، والذي قام بتصديقه هو أبو بكر رضي الله عنه . وسماه النبي صلى الله عليه وسلم " الصدّيق " : عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أُحداً وأبو بكر وعمر وعثمان ، فرجف بهم فقال : اثبت أُحد ، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان

مولده

ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر
 

صفته

كان أبو بكر رضي الله عنه: أبيض وجسمه نحيفاً ، معروق الوجه ، خفيف العارضين ،جبهته بارزة ، وكان رجلاً رقيق القلب و رحيماً

تواضعه

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا تواضع جم ، لا يتكبر على أحد و لا يستعلي عليه ، بل يتواضع للناس جميعهم فعن أبي صالح الغفاري أن عمر بن الخطاب كان يتعاهد عجوزاً كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل فيستقي لها ويقوم بأمرها. فكان إذا جاء وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت. فجاءها غير مرة كي لا يسبقه إليها فرصده عمر فإذا الذي يأتيها هو أبو بكر الصديق، وهو خليفة. فقال عمر: أنت هو لعمري

و قال صاحب كتاب صفة الصفوة :قال علماء السير: كان أبو بكر رضي الله عنه يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع بالخلافة، قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا منائحنا، فسمعها أبو بكر فقال: بلى، لعمري لأحلبنّها لكم، وإني لأرجو أن لا يغيِّرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه، فكان يحلب لهم

و عندما تولى أبو بكر الخلافة خطب في الناس قائلاً :إنما أنا بشر و لست بخير من أحد منكم فراعوني فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني و إذا رأيتموني زغت فقوموني واعلموا أن لي شيطاناً يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني

 و يذكر لنا ابن كثير رحمه الله في كتابه البداية و النهاية هذه القصة الدالة على تواضع أبي بكر فيقول  : ثم نهض أبو بكر رضي الله عنه إلى الجرف فاستعرض جيش أسامة و أمرهم بالسير و سار معهم ماشياً و أسامة راكباً ، و عبدالرحمن بن عوف يقود براحلة الصديق ، فقال أسامة : يا خليفة رسول الله ، إما أن تركب واما أن تنزل ، فقال أبو بكر : والله لست بنازل ، و لست أنا براكب ، ثم استطلق الصديق من اسامة عمر بن الخطاب فأطلق له ، فكان عمر لا يلقاه بعد ذلك إلا قال : السلام عليك أيها الامير

فضائله

أفضل من في هذه الأمة بعد سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم

قال ابن عمر رضي الله عنهما :" كنا نخيّر بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، فنخيّر أبا بكر ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم" . رواه البخاري 

 

وروى البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال :" كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما صاحبكم فقد غامر . وقال : إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء ، فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ ، فأقبلت إليك فقال : يغفر الله لك يا أبا بكر - ثلاثا - ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل : أثَـمّ أبو بكر ؟ فقالوا : لا ، فأتى إلى النبي فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعّر ، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال : يا رسول الله والله أنا كنت أظلم - مرتين - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله بعثني إليكم فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صَدَق ، وواساني بنفسه وماله ، فهل أنتم تاركو لي صاحبي – مرتين - فما أوذي بعدها

ثاني اثنين في الغار مع نبي الله صلى الله عليه وسلم
قال سبحانه وتعالى :" ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا

عن أنس بن مالك رضي الله أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدّثه قال : " نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه . فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما

وعندما أراد النبي صلى الله عليه وسلم دخول الغار دخل أبو بكر الصديق قبله لينظر في الغار حتى لا يُصيب النبي صلى الله عليه وسلم مكروه ، بالإضافة إلى موقفه عندما سار هو و الرسول عليه الصلاة والسلام في طريق الهجرة كان يمشي أمام النبي صلى الله عليه وسلم تارةً و خلفه تارةً وعن يمينه تارة وعن شماله تارةً أخرى

أول الخلفاء الراشدين

أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بأن نقتدي بأبي بكر الصديق؛ كما في قوله عليه الصلاة والسلام : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" رواه الإمام أحمد والترمذي

أبو بكر الصديق خليفة الرسول عليه الصلاة و السلام

عن عائشةَ رضي اللّهُ عنها قالت : لما مَرِضَ النبيّ صلى الله عليه وسلم مرَضَهُ الذي ماتَ فيه أَتاهُ بلالٌ يُؤْذِنهُ بالصلاةِ  فقال : مُروا أَبا بكرٍ فلْيُصَلّ . قلتُ : إنّ أبا بكرٍ رجلٌ أَسِيفٌ [ وفي رواية : رجل رقيق ] إن يَقُمْ مَقامَكَ يبكي فلا يقدِرُ عَلَى القِراءَةِ . قال : مُروا أَبا بكرٍ فلْيُصلّ . فقلتُ مثلَهُ : فقال في الثالثةِ - أَوِ الرابعةِ - : إِنّكنّ صَواحبُ يوسفَ ! مُروا أَبا بكرٍ فلْيُصلّ ، فصلّى

ولذا قال عمر رضي الله عنه : أفلا نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ؟!

جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء فأمرها بأمر ، فقالت :" أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك ؟ قال : إن لم تجديني فأتي أبا بكر" . رواه البخاري ومسلم

 

أبو بكر مُفتٍ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميراً على الحج في الحجّة التي قبل حجة الوداع

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :" بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر : لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ."
 

أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال عمرو بن العاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أحب إليك ؟ قال : " عائشة . قال : قلت : من الرجال ؟ قال : أبوها " . رواه مسلم 
 

اتخذه النبي عليه الصلاة والسلام أخاً له
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :" خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال : إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله . قال : فبكى أبو بكر ، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن مِن أمَنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر ، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا سُـدّ إلا باب أبي بكر

زكّاه الله سبحانه و تعالى
 

قال تعالى :" وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى" قال تعالى : " وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم"  ُ
 

زكّـاه النبي صلى الله عليه وسلم
 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة . قال أبو بكر : إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لست تصنع ذلك خيلاء ". رواه البخاري في فضائل أبي بكر رضي الله عنه

يُدعى من جميع أبواب الجنة
 

قال عليه الصلاة والسلام : " من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب الجنة : يا عبد الله هذا خير ؛ فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام وباب الريان . فقال أبو بكر : ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة ، فهل يُدعى منها كلها أحد يا رسول الله ؟ قال : نعم ، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر" . رواه البخاري ومسلم

جمع خصال الخير في يوم واحد

روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أصبح منكم اليوم صائما ؟ قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا

 قال : فمن تبع منكم اليوم جنازة ؟

 قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا

قال : فمن أطعم منكم اليوم مسكينا ؟

 قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا

 قال : فمن عاد منكم اليوم مريضا ؟

قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا

 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة
 

يعرف عليّ رضي الله عنه لأبي بكر فضله

قال محمد بن الحنفية : قلت لأبي – علي بن أبي طالب رضي الله عنه - :" أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أبو بكر قلت : ثم من ؟ قال : ثم عمر ، وخشيت أن يقول عثمان قلت : ثم أنت ؟ قال : ما أنا إلا رجل من المسلمين" . رواه البخاري

قال عليّ رضي الله عنه : "كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله به بما شاء أن ينفعني منه ، وإذا حدثني غيره استحلفته ، فإذا حلف لي صدقته ، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من عبد مؤمن يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الطهور ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله تعالى إلا غفر الله له ثم تلا : {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } " . رواه أحمد وأبو داود

جمع بيت أبي بكر وآل أبي بكرفضائل كثيرة لم يجمعها بيت في الإسلام

بيت أبي بكر رضي الله عنه دائما في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم

 عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم هي بنت أبي بكر رضي الله عنه وعنها

 ما فعله أولاد أبي بكر (عبد الله بن أبي بكر وأخته أسماء ) في نقل الطعام والأخبار لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار
 

أعماله

فُتِحت فتوحات الشام ، وفتوحات العراق في عهده. أمر رضي الله عنه زيد بن ثابت أن يجمع القرآن

 كان أبو بكر رضي الله عنه أعرف العرب بالأنساب

 كان من السباقين إلى الإسلام وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم ، بالإضافة إلى ثباته يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم 

قبل الهجرة أعتق سبعة وهم : بلال بن أبي رباح ، وعامر بن فهيرة ، وزنيرة ، والنهدية وابنتها ، وجارية بني المؤمل ، وأم عُبيس 

موقفه في حرب المرتدين كان أكثر حزما و صلابة من عمر رضي الله عنه الذي عُرِف بالصلابة في الرأي والشدّة

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :" لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم واستُخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر : يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ؟ قال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . قال عمر : فو الله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق

ورعـه

كان ورعاً زاهداً في الدنيا

 قالت عائشة رضي الله عنها : كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج ، وكان أبو بكر يأكل من خراجه ، فجاء يوماً بشيء ، فأكل منه أبو بكر ، فقال له الغلام : تدري ما هذا ؟ فقال أبو بكر : وما هو ؟ قال : كنت تكهّنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته ، فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه ، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه . رواه البخاري

وفاته

توفي في يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، وه ابن ثلاث وستين سنة

 

عمر بن الخطّاب من المبشرين بالجنة

عمر بن الخطّاب

خلّد التّاريخ الإسلامي سيرة كثيرٍ من الصّحابة الذين كانت لهم مواقفهم المشهودة، وسجلّهم المليء بالإنجازات والتّضحيات في نصرة النّبي عليه الصّلاة والسّلام وإعلاء كلمة الدّين، وعلى رأس هؤلاء الصّحابة كان الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم الّذين برز من بينهم الفاروق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كقائدٍ فذٍّ، وخليفة عادل قلّ أن يوجد مثله في التّاريخ الإنساني القديم والحديث، فما هي سيرة الفاروق رضي الله عنه؟

تعريفٌ بعمر بن الخطَّاب

هو أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الرَّاشدين عمر بن الخطَّاب بن نفيل بن عبد العزَّى بن رباح بن قُرْط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي، وأُمُّه حنتمة بنت هشام المخزومية، أخت أبي جهل، وقد أسلم عمر -رضي الله عنه- في السَّنة السَّادسة من بعثة النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- وهو في السابعة والعشرين من عمره، وقد كان -رضي الله عنه- في الخِلقة طويلًا، قوي البنية، شديد البياض تشوب بياضه حُمرَة

أمَّا عن أهل بيته من الأزواج والأبناء، فقد تزوَّج -رضي الله عنه- من زينب بنت مظعون، وقد أنجبت له حفصة أم المؤمنين وعبد الرحمن وعبد الله رضي الله عنهم جميعاً، وتزوَّج من جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح الأنصاريَّة، وكان له منها ولده عاصم، وتزوَّج من عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل بن عدي وقد ولدت له عياضاً، وتزوَّج من أمِّ كلثوم بنت علي بن أبي طالبٍ وأنجبت له زيداً ورقيَّة رضي الله عنهم أجمعين
 

مولد عمر بن الخطّاب

ولد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه في مكّة المكرّمة في سنة 590 ميلادي أي بعد ولادة النبيّ عليه الصّلاة والسّلام بما يقارب ثلاث عشرة سنة، ويعود نسبه إلى بني عدي بن كعب فهو عدويّ قرشي

ما اشتهر به عمر في الجاهليّة

اشتهر عمر رضي الله عنه في الجاهليّة بالفروسيّة والبطولة، فقد أحبّ المصارعة والرّمي والشّعر وركوب الخيل ، كما تعلّم القراءة والكتابة وبرع فيها

عمر والدّعوة الإسلاميّة

رفض عمر رضي الله عنه الدّعوة الإسلاميّة في بدايتها، وكان من أشدّ النّاس عليها وعلى المؤمنين، حتّى روي عنه أنّه كانت له جارية أسلمت فكان يعذّبها من أوّل النّهار إلى آخره حتّى تعود عن دينها، وما يتركها إلاّ ملالةً وسآمة، وحينما تناهى إلى مسامع عمر ما حدث لخالة أبي جهل من الإهانة والتّقريع على يد حمزة رضي الله عنه قرّر أن يتوجّه إلى النّبي عليه الصّلاة والسّلام ليقتله، فقد كان يرى أنّ النّبي الكريم قد فرّق دينهم وسبّ آلتهم وسفّه أحلامهم، وفي طريقه لتنفيذ مخططه لقيه رجل من بني عدي فنصحه بالإعراض عن ذلك وأخبره بإيمان أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد بالرّسالة ليشتاط عمر غيظًا ويتوجّه إلى بيت أخته فيدخل عليها ليجد الصّحابي خبّاب رضي الله عنه يعلّمهم القرآن فينهال عمر ضربًا على أخته وزوجها، ثمّ في لحظةٍ معيّنة يستمع عمر إلى آيات القرآن الكريم التي تتسلّل إلى قلبه فينشرح لها صدره فيقرّر الإيمان بالرّسالة بعد خمس سنواتٍ من البعثة النّبويّة الشّريفة

أثر إيمان عمر على الدّعوة

كان إيمان عمر ببركة دعاء النّبي وتمنّيه بأن يؤيّد الله هذا الدّين بأحد العمرين، وقد عبّر أحد الصّحابة عن حالة المسلمين عندما أسلم عمر بقوله ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر

من أقوال عمر بن الخطَّاب

 إنَّ لعمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- أقوالٌ وحِكمٌ أُثرت عنه، ونُقلت في الكتب، فيها من الموعظة والعبرة الكثير، ومن هذه الأقوال
 عقل النَّاس أعذرهم للنَّاس-

 إياكم والبطنة، فإنَّها ثقل في الحياة، نتن في الممات-

 ثلاثٌ مهلكات: شحٌّ مُطاع، وهوى متَّبعٌ، وإعجاب المرء بنفسه-

 لا يقعد أحدكم عن طلب الرِّزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أنَّ السَّماء لا تمطر ذهباً ولا فضَّةً-
 

تولّى رضي الله عنه الخلافة بعد وفاة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه في سنة 13 للهجرة، وقد كانت خلافته مثالًا للعدل والرّشد، كما توسّعت في عهد الدّولة لتشمل فارس والعراق والشّام ومصر وبيت المقدس وليبيا وسجستان. تُوفّي رضي الله عنه بعد أن اغتيل على يد أبي لؤلؤة المجوسي لعنه الله في سنة 24 للهجرة بعد حياة حافلةٍ بالعطاء والبذل والتّضحية

أخلاق وصفات عمر بن الخطاب

القوة في الحق

أظهر الفاروق عمر رضي الله عنه قوته في الحق أول مرة حينما شرح الله صدره للإسلام وآمن بالدعوة، فرفض الفاروق أن يبقى المسلمون متخفين عن أعين الناس، وحثّ المسلمون على أن يجهروا بإسلامهم ودعوتهم ولسان حاله ومقاله لماذا نعطي الدنية في ديننا

التواضع الجم

كان عمر رضي الله عنها متواضعاً على الرغم من أنّه أمير للمسلمين، وظهر تواضعه في كثير من المواقف حيث حدّث عروة بن الزبير أنّه رأى عمر مرة يحمل قربة ماء على كتفه، فقال له ما ينبغي لك أن تفعل هذا يا أمير المؤمنين، فقال، لقد جاءتني الوفود سامعين طائعين فدخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها

الورع والتقوى

كان للفاروق رضي الله عنه مواقف كثيرة دلت على خشيته الشديدة من الله وورعه، ومن هذه المواقف أنّه مرض يوماً فأراد أن يستشفي بعسل كان موجوداً في بيت مال المسلمين أتى به من البلاد المفتوحة، فوقف عمر على منبر المسجد وخطب بالناس يستأذنهم في أكل العسل مبيناً أنّه حرام عليه إذا هم رفضوا أن يأكل منه، فبكى الناس لذلك وأذنوا له حباً وكرامة، كما كان عمر رضي الله عنه شديد الخوف من الموت لما بعده من الحساب واتخذ خاتماً مكتوباً عليه كفى بالموت واعظاً يا عمر، ومن كلماته التي دلت على ورعه أيضا قوله يا ليتني أخرج منها كفافاً لا لي ولا علي

الوقوف عند حدود الله
وقف عمر رضي الله عنه يوما على المنبر وأراد أن يحدّد مقداراً معيناً لمهور النساء، فوقفت امرأة تتلو قوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) النساء: 20 فأدرك عمر رضي الله عنه أنّه أخطأ في ذلك فقال أصابت امرأة وأخطأ عمر

القيادة والحكمة

كان عمر رضي الله عنه يدرك معادن الرجال، وينزلهم منازلهم، ومثال على ذلك اختياره للنعمان بن مقرن المزني وتوسمه فيه ليكون قائد جيوش المسلمين لفتح حصن نهاوند، وكان ذلك نعم الاختيار حينما تمكن النعمان بجيشه من فتح حصون نهاوند

وفاة عمر بن الخطاب

قُتل سيدنا عمر بن الخطاب على يد أبي لؤلؤة المجوسي أثناء تأديته لصلاة الفجر في جماعةٍ من المسلمين في السنة الثالثة والعشرين للهجرة، ودُفن إلى جوار الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر الصديق في الحجرة النبوية في المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة

 

علي ابن أبي طالب من المبشرين بالجنة

علي بن ابي طالب

هو علي بن ابي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ،و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، فهو من أبوين هاشميين و من أشرف بطون قريش وأكرمها ،وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهما من أبوين شقيقين

ولادته ونشأته

ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه قبل البعثة بعشر سنوات تقريباً ،و تربى في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها، وسبب ذلك ما أصاب مكة من مجاعة حيث كان أبو طالب كثير العيال ، فقير الحال ، فأحب العباس أخوه  -وكان موسراً أكثر منه- ورسول الله صلى الله عليه وسلم أن يساعداه ، و أن يتحملا عنه ، فأخذ كل واحد منهما ولداً من أولاده ، وكان نصيب علي رضي الله عنه أن يكون في ولاية الرسول صلى الله عليه وسلم

زواجه

تزوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنجبت له الحسن خامس الخلفاء ، والحسين ، وهما سيدا شباب أهل الجنة في الجنة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبهما حباً شديداً،يركبهما عل ظهره في الصغر ويلثم أفواههما  ومن قبل يعق عنهما مع وجود أبويهما

كنيته
 

و للإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أكثر من كنية ،فهو يكنى أبا الحسن نسبة إلى أكبر ولده الحسن رضي الله تعالى عنه ، وهو يكنى أيضاً بأبي تراب ،وقد كناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، لهذا فقد كان يحبها ويحب أن يكنى بها 

روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه بإسناده عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال:ما كان لعلي رضي الله عنه اسم أحب إليه من أبي تراب ، وإن كان ليفرح إذا دعي بها،قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة رضي الله عنها فلم يجد علياً في البيتن فقال: أين ابن عمك؟قالت : كان بيني وبينه شيء فغاضبني، فخرج فلم يقل عندي

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان : انظر أين هو ن فجاء فقال : يا رسول الله، هو في المسجد راقد ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شق فأصابه تراب ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه ويقول : قم يا أبا تراب

وله اسم آخر وهو حيدرة ،ومعناه الأسد، ولقد ذكره هو عند مبارزته لمرحب بطل من أبطال يهود خيبر وأشجعهم فقد جاء على لسان علي حين بارز مرحب : أنا الذي سمتني أمي حيدرة ، كليث غابات كرية المنظر أو فيهم بالصاع كيل السندرة

إسلام علي بن أبي طالب

عن أبي إسحاق أنّ عليّاً رضي الله تعالى عنه رأى يوماً رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وزوجته خديجة يصلّيان، فقال للرّسول صلّى الله عليه وسلّم: يا محمّد، ما هذا؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: دين الله الّذي أصطفي لنفسي، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وإلى عبادته، والكفر باللات والعزّى، فقال له علي رضي الله عنه: هذا أمرٌ لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاضٍ أمراً حتّى أحدّث أبا طالب، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يفشي عليّاً سرّه قبل أن يستعلن أمره، فقال له: يا عليّ إن لم تسلم فاكتم، فمكث عليّ تلك الليلة، ثمّ أوقع الله في قلب عليّ الإسلام، فأصبح غادياً إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى جاءه فقال: ماذا عرضت عليّ يا محمّد، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: تشهد أنّ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزّى، وتبرأ من الأنداد، ففعل عليّ وأسلم، ولبث عليٌّ يأتيه سرّاً خوفاً من أبي طالب، وكتم عليُّ إسلامه ولم يظهر به

وقال ابن إسحاق: ذكر بعض أهل العلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا حضرت الصّلاة خرج إلى شعاب مكّة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفياً من أبي طالب، ومن سائر قومه وجميع أعمامه، فيصليّان الصلوات فيها، فإن أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثمّ إن أبا طالبٍ عثر عليهما يوماً وهما يصلّيان فقال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا ابن أخي، ما هذا الدّين الّذي أراك تدين به؟ قال: أي عم، هذا دين الله، ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم - أو كما قال - صلّى الله عليه وسلّم - بعثني الله به رسولاً إلى العباد، وأنت أي عم، أحقّ من بذلت له النّصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحقّ من أجابني إليه وأعانني عليه، أو كما قال؛ فقال أبو طالب: أي ابن أخي، إنّي لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت وذكروا أنّه قال لعليّ: أي بني، ما هذا الدّين الّذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت، آمنت بالله وبرسول الله، وصدّقته بما جاء به، وصلّيت معه لله واتّبعته. فزعموا أنّه قال له : أما إنّه لم يدعك إلّا إلى خير فالزمه

أدلّة على بشارة علي بالجنّة

وى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في المسند عن سعيد بن زيد قال: أنا أشهد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بما سمعت أذناي ووعاه قلبي من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنّي لم أكن أروي عنه كذباً، يسألني عنه إذا لقيته أنّه قال: أبو بكر الصدّيق في الجنّة، وعمر بن الخطّاب في الجنّة ، وعلي بن أبي طالب في الجنّة، وعثمان بن عفّان في الجنة، وطلحة بن الزّبير في الجنّة، وعبد الرّحمن بن عوف في الجنّة، وسعد بن مالك في الجنّة. قال ذلك في بلوغ الأماني، رواه أبو داود النسائيّ وابن ماجة وسنده جيّد ورجاله ثقات. قال المنذريّ: أخرجه الترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه، وقال الترمذيّ حسن صحيح وقد أخرجه مسلم والترمذيّ والنسائيّ من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة بنحوه

روى الحاكم في المستدرك بسندٍ صحيح عن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (سألت ربّي عزّ وجل أن لا أزوّج أحداً من أمّتي، ولا أتزوّج إلّا من كان معي في الجنّة فأعطاني). وقيل هذا الحديث في ذريّة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم

أخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ الجنّة تشتاق إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. نعم فأهل الجنّة يشتاقون لأمير المؤمنين كرّم الله وجهه

علي بن ابي طالب وقضية قتلة عثمان

لما تولى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الإمارة واجهته عدة قضايا، و كان اهم هذه القضايا و أخطرها قضية معاقبة قتلة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، فلا شك بأنهم قتلة يستحقون العقاب الصارم زجراً لهم ولغيرهم ، وهذا ما اتفقت عليه وجهة نظر علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ، إلا ان معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه قد نصب نفسه ولي دم عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وطالب بإيقاع العقوبة فوراً على القتلة ، أما علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، فقد كان يرى أن الظروف التي عقبت تولي الخلافة ليست مناسبة لإقامة العقوبة على القتلة وقصاصهم ، إذ كان لا بد من استقرار الدولة وثبات أركانها

زادت شقة الخلاف بين علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما ، بعزل علي بن أبي طالب معاوية إمارة الشام وتولية غيره مكانه ، فأبى الإنصياع لأمر علي بن أبي طالب وعاداه ، ونشأت بينهما حروب انتهت بالتحكيم ، وقد أرغمه من معه عليه ، فقبله وهو له كاره ن ولما انتهى التحكيم إلى خلع علي بن أبي طالب وتثبيت معاوية بن أبي سفيان ، نفر من قبل التحكيم من جيش علي ، وانتهى إلى أنه حكم الرجال ولم يحكم الله عز وجل ، وهذا كفر فعدوا كل من قبل التحكيم كافراً ما عليه إلا أن يعلن توبته والدخول في الإسلام من جديد ، وطلبوا من علي رضي الله تعالى عنه أن يتوب فأنكر عليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذلك ن ولكنهم حاربوه وحاربوا بعض المسلمين واستباحوا دماءهم و أموالهم ، مما اضطر علي إلى محاربتهم وقتل عدد كبير منهمن ومعظمهم كانوا من قتلة عثمان رضي الله تعالى عنه

خلافة علي بن ابي طالب

بعد ان استشهد عثمان بن عفان رضي الله عنه جاء بعض الناس مع القتلة يعرضون على علي بن ابي طالب رضي الله عنه أن يتولى الخلافة ، وإعطاء البيعة له ، فأبي علي بن أبي طالب ذلك وأنكر عليهم بأن أمر البيعة ليس لهم ، وإنما البت في هذا الأمر يملكه أهل الحل والعقد - أهل الشورى - من أكابر الصحابة كطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وغيرهم من القادة والأمراء

جاء الناس في المرتبة الثانية وفي مقدمتهم أهل الشورى يطلبون من علي بن أبي طالب رضي الله عنه تولي إمارة المؤمنين فرفض ذلك ، فألحوا عليه في السؤال والطلب فجلس في بيته ، ولكن الناس دخلوا عليه في بيته وفي مقدمتهم طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام وقالوا له : إن هذا الامر لا يمكن بقاؤه بلا أمير ، و ألحوا عليه في أن يقبل بالإمارة ، فقبلها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بعد إلحاح المسلمين الشديد

بعد أن قبل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الإمارة ، دخل المسجد فبايعه الناس البيعة العامة ، يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين للهجرة

صعد بعد ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى المنبر وخطب أول خطبة بعد ان تولى الإمارة ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله تعالى أنزل كتاباً هادياً بين فيه الخير والشر ، فخذوا بالخير ودعوا الشر ، إن الله تعالى قد حرم حرماً مجهولة ، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها ، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين ، و المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق ، لا يحل لمسلم أذى مسلم إلا بما يجب ،بادروا أمر العامة ، وخاصة أحدكم الموت ، فإن الناس امامكم ، و إنما خلفكم الساعة تحدو بكم ، فخففوا تلحقوا ،فإنما ينتظر بالناس أخراهم ن واتقوا الله عباده في عباده وبلاده ، فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع و البهائم ، ثم أطيعوا الله ولا تعصوه ، وإذا رأيتم الخير فخذوه ، وإذا رأيتم الشر فدعوه

استشهاد علي بن ابي طالب

كان علي رضي الله تعالى عنه يعلم انه سيموت قتيلاً فقد أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، وان قاتله سيكون أشقى الناس روى الإمام أحمد رحمه الله في فضائل الصحابة عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري رضي الله عنه قال : خرجت مع أبي عائد لعلي بن أبي طالب من مرض أصابه ثقل منه ،قال: فقال لي أبي :ما يقيمك بمنزلك هذا لو أصابك اجلك لم يلك إلا اعراب جهينة تحمل إلى المدينة ، فإن أصابك اجلك وليك أصحابك ، فقال علي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي ان لا اموت حتى أؤمر ، ثم تخصب هذه -يعني لحيته ، من دم هذا-يعني هامته ولقد نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه ولأصحابه قبل ثلاثين سنة تقريباً ، فقد روى الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو و أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فتحركت الصخرة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إهدأ ، إنما عليك نبي أو صديق أو شهيدأو عن وقوع جريمة القتل البشعة فيروي علماء التاريخ أن ثلاثة من الخوارج وهم عبدالرحمن بن ملجم الحميري الكندي والبرك بن عبدالله التميمي و عمرو بن بكر التميمي ، قد اجتمعوا وتعاهدوا على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص ، على أن يتولى ابن ملجم قتل علي

أما عبدالرحمن بن ملجم فأتى أصحابه بالكوفة وكاتمهم أمره كراهية أن يظهروا شيئاً من أمره ، وإنه لقي أصحابه ، وأتى عبدالرحمن بن ملجم رجلاً سفاكاً للدماء من أشجع ، وعرض عليه أن يشاركه في جريمته النكراء فقال الأشجعي :ثكلتك أمك ، لقد جئت شيئاً إدا ، كيف تقدر على قتله؟ قال : أكمن له في السحر ، فإذا خرج إلى صلاة الفجر شددنا عليه فقتلناه ، فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا ، و إن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وزبرج أهلها ، قال : ويحك ، لو كان غير علي لكان أهون علي ، قد عرفت بلاءه في الإسلاموسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم ن وما أجدني أشرح لقتله ، قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهروان ؟قال : نعم نقتله بما قتل إخواننا به ، فأجابه اختبأ ابن ملجم و الأشجعي عند الفجر يرقبان قدوم علي ، فأقبل علي ينبه الناس للصلاة ويقول : الصلاة الصلاة ، فشد عليه شبيب فضربه بالسيف فلم يصبه ، فشد عليه ابن ملجم فضربه على قرنه فقال : لا حكم إلا لله ن ليس لك يا علي ولا لأصحابك ، وفر شبيب وقبض على ابن ملجم ، وقدم علي جعدة بن هبيرة ليصلي بالناس صلاة الصبح ، وحمل علي إلى منزله و حمل إليه عبدالرحمن بن ملجم ، فقال : إن مت فاقتلوه ، وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به فقال جندب بن عبدالله : يا أمير المؤمنين ن إن مت نبايع الحسن؟فقال : لا آمركم ولا أنهاكم ، أنتم أبصر

(ولما حضرته الوفاة جعل يكثر من قول لا إله إلا الله ، وقيل أن ىخر ما تلفظ به كان (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، و من يعمل مثقال ذرة شراً يره

 

الفواكه العذب ﻓﻲ اﻟﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﺤﻜﻢ اﻟﺴﻨﺔ ﻭاﻟﻜﺘﺎﺏ

  اﻟﻔﻮاﻛﻪ اﻟﻌﺬاﺏ ﻓﻲ اﻟﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﺤﻜﻢ اﻟﺴﻨﺔ ﻭاﻟﻜﺘﺎﺏ  ﺑﻴﺎﻧﺎﺕ اﻟﻜﺘﺎﺏ ﻋﻨﻮاﻥ اﻟﻜﺘﺎﺏ: اﻟﻔﻮاﻛﻪ اﻟﻌﺬاﺏ ﻓﻲ اﻟﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﺤﻜﻢ اﻟﺴﻨﺔ ﻭاﻟﻜﺘﺎﺏ ﺗﺄﻟﻴﻒ...