الخميس، 8 نوفمبر 2012

الشرك






الشرك

    

صورة آية 13 سورة لقمان

الشرك هو اتخاذ شريك لله في ربوبيته أو ألوهيته .
فشرك الربوبية ضد توحيد الربوبية، لأن توحيد الربوبية : إفراد الله تعالى بأفعاله هو سبحانه من الخلق والرزق والإيجاد والإحياء والإماتة، وكل ما يتعلق بالخلق والكون، فمن زعم أن هناك من له قدرة التصرف في شيء من هذه الأمور فقد زعم وجود خالق غير الله، أو رب غير الله، إذ لا يوجد إلا خالق أو مخلوق، وكل من سوى الله فهو مخلوق، والمخلوق لا يمكن أن يخلق، أو يرزق أو يحيي أو يميت... ومن هنا يظهر ضلال أولئك الذين يزعمون أن من الأولياء أو الأئمة أو غيرهم من لديه القدرة على التصرف في الكون أو تسيير شيء من أموره، أو أنهم ينفعون أحداً أو يضرونه، أو أن هناك من يتحكم في الرزق فيعطي ويمنع من شاء وكل ذلك ضلال مبين، وشرك في توحيد الربوبية.
أما شرك الألوهية فهو ضد توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية هو إفراد الله سبحانه بأفعال العباد، أو هو صرف جميع العبادة لله وحده سواءً كانت صغيرة أو كبيرة، فمن صرف شيئاً من العبادة لغير الله فقد وقع في شرك الألوهية.
والشرك قسمان:
· شرك أكبر
· وشرك أصغر
فالأكبر هو الذي يخرج صاحبه من الملة الإسلامية، ويكون في عداد المشركين، وهذا الشرك يكون بالقول مثل من يستغيث بغير الله، أو يدعو غير الله، أو يستعين بغيره فيما لا يقدر عليه غيره، كالاستغاثة بأصحاب القبور ودعائهم وطلب قضاء الحوائج منهم فهذا كله شرك كما قال تعالى (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً). ويكون بالفعل الركوع والسجود لغير الله، وكالذبح لغير الله، وفي الأثر من ذبح لغير الله فقد أشرك أو كفر، وسواء كان المذبوح صغيراً أو كبيراً عظيماً أو حقيراً فإنه لا يجوز لغير الله. ويكون بالقلب كاعتقاد النفع والضر في غير الله أو أن غير الله يجوز أن يصرف له شيء من العبادة فهذا شرك وكفر وضلال والعياذ بالله، فلا يستحق أحد أن يعبد في الوجود إلا الله سبحانه وتعالى.
القسم الثاني:
الشرك الأصغر: وهو الذي لا يخرج من الملة لكن صاحبه على خطر عظيم لأنه وسيلة إلى الشرك الأكبر، ولأنه من أعظم الذنوب، وهذا النوع من الشرك منه ما هو ظاهر ومنه ما هو خفي فالظاهر يكون في الأقوال والأفعال كالحلف بغير الله، كمن يحلف بالنبي أو الولي، أو الآباء أو الأبناء... قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من حلف بغير الله فقد كفر وفي رواية فقد أشرك)، ومن ذلك قول الرجل ما شاء الله وشئت، أو ما شاء الله وفلان، فهذا شرك أصغر، وهو من الأقوال. والصواب في هذا الباب أن يقول: ما شاء الله ثم فلان، أو لولا الله ثم فلان. وأما الأفعال فمثل لبس الحلقة والخيط ونحوه لرفع البلاء أو دفعه، ومثل تعليق التمائم خوفاً من العين، ونحو ذلك..
وأما الشرك الخفي فهو الشرك في الإرادات والنيات كالرياء والسمعة، وذلك بأن يعمل عملاً مما يتقرب به إلى الله سبحانه، يريد بذلك ثناء الناس أو مدحهم، والواجب الإخلاص لله في جميع الأعمال كما قال تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً).
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وجوارك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الكفر





الكفر




هو في اللغة : الستر والتغطية.
والكفر قسمان: أكبر وأصغر :
فالأكبر هو الذي يخرج صاحبه من الملة، والأصغر لا يخرج من الملة لكنه من عظائم الذنوب.
وقد قسم بعض العلماء الكفر الأكبر إلى أنواع، منها كفر التكذيب، والجحود، والذي فعله مشركو العرب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك ما فعلته الأمم السابقة مع أنبيائهم، وحقيقته رد دعوة الرسول وعدم تصديقه فيما يخبر.
ومنها كفر الإباء والاستكبار، وهو الذي فعله إبليس عندما أمره الله بالسجود لآدم فأبى كما قال تعالى (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)
والفرق بينه وبين السابق له أن الأول عدم تصديق، والثاني مصدق لكنه ترك الحق عناداً واستكباراً. وهذا من أشر أنواع الكفر وهو الاستكبار على الحق وعدم الإذعان له.
ومنها كفر الإعراض: وحقيقته : الانصراف عن دين الله كلية فلا يتعلمه ولا يعمل به، وبالتالي لا يصفه بالحق، ولا بالباطل، وهذا كفر كما قال تعالى: (والذين كفروا عما أنذروا معرضون)
ومنها كفر الشك : كمن يشك في صدق الرسول، أو في صدق شيء مما جاء به، ولو عمل به فإنه كافر، كمن يشك في قيام الساعة أو في البعث أو في وجود الجنة والنار، أو شك في وجود شيء من الكتب أو بعض الرسل .. قال تعالى: (ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً وما أظن الساعة قائمة. ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً. قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً). فهذا حصل له الشك في البعث وفي قيام الساعة .
كفر النفاق : وهو أشر أنواع الكفر قاطبة، وحقيقته إظهار الإسلام وإبطان الكفر والزندقة لأجل النيل من الإسلام وأهله، وسيأتي الكلام عنه مستقلاً.
والذي ينبغي التفطن إليه هنا أن الكفر أعم من الشرك، فكل شرك كفر ولا عكس، إذا أن الشرك يكون بصرف العبادة أو شيء منها لغير الله، في حين أن الكفر يكون بذلك وبغيره، فمثلاً سب الرسول صلى الله عليه وسلم أو دين الإسلام (والعياذ بالله) كفر ولا يسمى شرك، وكذلك إنكار البعث أو القيامة ونحو ذلك هو كفر ولا يسمى شرك، والله أعلم.
القسم الثاني من أقسام الكفر: وهو الذي لا يخرج من الملة، وهذا النوع من الكفر أطلقه الشارع على بعض الأعمال، كمثل كفر النعمة المذكور في قوله تعالى (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الخوف والجوع بما كانوا يصنعون). ومن ذلك قتال المؤمن كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) والحديث في الصحيح. وكقوله سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. وهو في الصحيح - أيضاً-
ومن ذلك كفران المرأة عشيرها - وهو زوجها - وادعاء الولد لغير أبيه وهو يعلم، والطعن في النسب والنياحة على الميت، وغيرها كثير من الذنوب التي أطلق عليها الشارع كفراً، وهي لا توجب الخروج من الملة. ولعلها سميت بذلك لكونها من أعمال أهل الكفر ومن صفاتهم، أو لأنها قد تقود إلى الكفر الأكبر والعياذ بالله .
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وجوارك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

عذاب القبر ونعيمه






عذاب القبر ونعيمه





يؤمن المسلم بأن نعيم القبر وعذابه وسؤال الملكين فيه حق وصدق وذلك للأدلة النقلية والعقلية الآتية :
الأدلة النقلية :
1 _ إخباره تعالى بذلك في قوله : ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ، وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ) وقوله : ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو ا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون) وفي قوله : ( سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ) وفي قوله : ( النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) وفي قوله : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، ويضل الله الظالمين ، ويفعل الله ما يشاء ) .
2 _ إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله : (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه ، وإنه ليسمع قرع نعالهم ، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل – لمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقال له : أنظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة فيراهما جميعاً ، وأما المنافق أو الكافر فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس ، فيقال له : لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضربة ً فيصيح صيحة ً يسمعه من يليه غير الثقلين) وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات أحدكم عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل النار فمن أهل النار ، فيقال له : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة ) . وفي قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه : ( اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال ) وفي قوله لما مر بقبرين فقال : ( إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ، ثم قال بلى ، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة ، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ) .
3 _ إيمان البلايين من العلماء والصالحين والمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ومن أمم أخرى سبقت بعذاب القبر ونعيمه ، وكل ما روي في شأنه .
: الأدلة العقلية
1 _ إيمان العبد بالله وملائكته واليوم الآخر يستلزم إيمانه بعذاب القبر ونعيمه ، وبكل ما يجري فيه ، إذ الكل من الغيب فمن آمن بالبعض لزمه عقلاً الإيمان بالبعض الآخر .
2 _ ليس عذاب القبر أو نعيمه ، أو ما يقع فيه من سؤال الملكين مما ينفيه العقل أو يحيله بل العقل السليم يقره ويشهد له .
3 _ إن النائم قد يرى الرؤيا مما يسر له فيتلذذ بها وينعم بتأثيرها في نفسه ، الأمر الذي يحزن له أو يأسف إن هو استيقظ ، كما أنه قد يرى الرؤيا مما يكره فيستاء لها ويغتم ، الأمر الذي يجعله يحمد من أيقظه ، لو أن شخصاً أيقظه فهذا النعيم أو العذاب في النوم يجري على الروح حقيقةً وتتأثر به ، وهو غير محسوس ولا مشاهد لنا ، ولا ينكره أحد ، فكيف ينكر إذاً عذاب القبر أو نعيمه ، وهو نظيره تماماً .
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وجوارك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

التوسل






التوسل





هو في اللغة: المنـزلة، والقربة قال تعالى: (يا أيها الذين اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) .
وحقيقة الوسيلة إلى الله: مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة .
والتوسل قسمان :
توسل مشروع، وتوسل بدعي غير مشروع .
والتوسل المشروع، هو الذي جاءت به النصوص الصريحة من الكتاب والسنة أو ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم. وهذا القسم من التوسل أنواع:
1- التوسل إلى الله تعالى بأسمائه كما قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)
2- التوسل بصفاته سبحانه كما في قوله (ونجنا برحمتك من القوم الكافرين) وكما في سورة الفاتحة. وهذا كثير في النصوص سواء من الكتاب أو السنة.
3- التوسل بالأعمال الصالحة كما في سورة الفاتحة في (إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم) وقوله تعالى: (ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار).
4- التوسل بدعاء الصالحين. كما في حديث عثمان بن حنيف أن رجلا ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله ادع الله أن يعافيني فقال إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك وإن شئت دعوت لك قال بل ادع الله لي فأمره أن يتوضأ وأن يصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى وتشفعني فيه وتشفعه في قال فكان يقول هذا مرارا ثم قال بعد احسب أن فيها أن تشفعني فيه قال ففعل الرجل. رواه أحمد النسائي وابن حبان الحاكم وصححه.
وهذا الحديث استدل به البعض على جواز التوسل بالجاه، ولا دلالة فيه كما سيأتي بعد قليل.
وكما في أحاديث الاستسقاء، وبعضها في الصحيح، من طلب الصحابة من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله أن يغيثهم كما في حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر: أنه سمع أنس بن مالك يذكر أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما فقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت قال والله ما رأينا الشمس ستا ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والجبال والآجام والظراب والأودية ومنابت الشجر قال فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس قال شريك فسألت أنسا أهو الرجل الأول قال لا أدري. رواه البخاري ومسلم.
وهذا النوع من التوسل لا يكون إلا في حياة الداعي أما بعد موته فإنه لا يشرع البتة. لأن الميت لا يسمع الدعاء.
هذه أشهر أنواع التوسل المشروع، وقد أضاف بعض أهل العلم نوعاً خامساً: وهو التوسل إلى الله بذكر حال الداعي المبينة لاضطراره وحاجته كقول موسى عليه السلام: (رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير).
القسم الثاني: التوسل غير المشروع، وهو التوسل بوسيلة أبطلها الشارع كتوسل المشركين بآلهتهم إلى الله، وكتوسل القبوريين بأصحاب القبور، وهذا أمر ظاهر الفساد لأن التوسل نوع من الدعاء والدعاء عبادة لا يجوز صرف شيء منها لغير الله.
ومن التوسل الممنوع التوسل بوسيلة لم يأت بها الشرع، ويسمى هذا النوع التوسل البدعي، لأنه مخترع لم يأت به الشرع مثل التوسل بالجاه كقولهم اللهم إني أسألك بجاه النبي أو بجاه الولي فلان أو نحو ذلك. وقد عده بعض أهل العلم نوعاً من أنواع الشرك.
والتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعظم الخلق، وجاهه عند الله رفيع لكن ذلك لا يسوغ لنا أن نتوسل به إلى الله، وكما لا يصح أن نتوسل بذاته -صلى الله عليه وسلم- مع أن ذاته شريفة ورفيعة، فكذلك لا يصح التوسل بجاهه. وقد انتشر -وللأسف- هذا النوع من التوسل بين الناس، وكثر في كلامهم صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً. والبعض يقنن هذا النوع من التوسل ويستدل له ببعض الأدلة التي يرى أنها تدل على مشروعيته.
وما استدلوا إما صحيح غير صريح، وإما صريح غير صحيح بل باطل موضوع. وليعلم أن كل حديث ورد فيه الحث على التوسل بجاه الرسول صلى الله عليه وسلم أو مقامه ونحوه فهو حديث باطل لا يصح البتة، بل موضوع مكذوب، ولا يصح نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بحال.
وأصح دليل في هذا الباب: حديث الأعمى السابق. والآية الكريمة في سورة النساء (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً).
قالوا: هذه الآية عامة للاجئين سواءً في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعد موته، ويستحب لمن أتى قبره -صلى الله عليه وسلم- أن يقرأها.
فأما الحديث فالجواب عنه من وجهين:
1- أن بعض أهل العلم لم يصحح هذا الحديث بل ضعفه، وإذا كان ضعيفاً فلا حجة فيه.
2- أنه إذا صح فليس فيه دلالة على التوسل بجاه النبي -صلى الله عليه وسلم- بل بدعائه -صلى الله عليه وسلم- والحديث ينص على هذا إذ أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتوضأ وأن يصلي، وعلمه الدعاء الذي يقوله بعد ذلك، فمن أين جاء الجاه هنا، وقوله فيه: أتوجه إليك بنبيك، يقتضي أن يوجد محذوف هنا ولابد من تقديره فإما أن يقال بذات نبيك أو جاه نبيك أو دعاء نبيك، ولا يمكن الجزم بإحدى هذه الثلاث إلا بدليل من الخارج، ولم يوجد دليل يصح على المعنيين الأولين، بخلاف الثالث: فسياق الحديث يدل عليه مثل قوله للنبي -صلى الله عليه وسلم- ادع الله أن يعافيني، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : إن شئت صبرت فهو خير لك، وإن شئت دعوت لك. فقال: ادعه. فهذا يؤكد أن الأعمى توسل بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وليس بذاته ولا جاهه.
وأما الآية فرد الاستدلال بها من أوجه :
1- أن سياق الآية في ذكر المنافقين الذين كانوا يزعمون الإيمان بالرسول -صلى الله عليه وسلم- وبالأنبياء قبله، أرداوا التحاكم إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به فنـزل فيهم قول الله عز وجل ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً )
وقد ذكر أهل التفسير أن سبب نزول هذه الآيات ما حصل بين ذلك المنافق الذي يدعي الإيمان، وبين أحد اليهود من خصومة طلب فيها اليهودي الاحتكام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لا يأخذ الرشوة، وطلب المنافق الاحتكام إلى أحد اليهود لأنهم يأخذون الرشوة، فنـزلت فيه تلك الآية. ذكر ذلك القرطبي، وابن كثير، وغيرهما.
2- أن الله قال: (ولو أنهم إذ ظلموا) ولم يقل: إذا ظلموا. فـ (إذ) لما مضى وليس للمستقبل.
3- أن هذا الفهم الذي فهموه من الآية الكريمة لم يفهمه أحد من سلف الأمة (الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أئمة الدين والهدى كالأئمة الأربعة وسفيان الثوري وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي، والحمدان وغيرهم) فإذا كان هؤلاء المصابيح النيرة لم يقل أحد منهم هذا القول، فمن من العلماء يجرؤ على مخالفتهم، ويفهم فهماً لم يفهمه هؤلاء الأعلام.
وهذا هو الواقع فلم يفهم أحد من أئمة الإسلام الذين يشار إليهم بالعلم والفقه في الدين لا في قديم الدهر ولا في حديثه هذا الفهم.
4- أن مقتضى هذا الفهم تعطيل التوبة التي أمر الله بها عباده وحثهم على التزامها في أي وقت وفي أي مكان، لأن هذا الفهم يعني أن إتيان قبره -صلى الله عليه وسلم- شرط من شروط قبول التوبة، فمن عجز عن الوصول إليه لم يصح له توبة . فالمسلمون الذين أذنبوا في مشارق الأرض أو مغاربها، الذين يصعب وصولهم إلى قبره لم ينتفعوا من توبتهم بشيء لأنها ناقصة الأركان فلا تقبل، ولم يقل بهذا أحد لا من قديم الدهر ولا من حديثه، حتى الذين فهموا هذا الفهم لا أظنهم يقولون هذا القول.
وإذا علمنا أن المسلم لا ينفك عن الخطأ والمعاصي سواءً كانت من الكبار أو الصغار، ثم أراد التوبة فعليه أن يشد رحاله إلى المدينة ثم يذهب إلى قبره -صلى الله عليه وسلم- ليتوب من ذلك الذنب، فإذا أذنب في يوم عشرة ذنوب أو أكثر فعليه العودة وهكذا حتى تتعطل مصالحه وأمور معاشه، وتصبح التوبة التي جعلها الله له طهارة وسلامة وعافية تصبح بهذا المفهوم وبالاً عليه، ومصدر شقاء وعناء وعنت، وهذا مما تتنـزه الشريعة الربانية عنه، ويعلم فساده من الدين بالضرورة.
5- عمل الصحابة –رضي الله عنهم- وهم أعلم الأمة بحال الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يجب له من التقدير. وهم أدرى الناس بمنـزلته ومكانته، ومع ذلك لم يحدث أنهم كانوا إذا نزلت بهم نازلة أو أذنب منهم مذنب أنه أتى للقبر الشريف وتوسل بجاه النبي -صلى الله عليه وسلم-
ففي الصحيح عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون. فلو كان التوسل بالجاه جائز عندهم لتوسلوا بجاه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه أعظم من جاه العباس، ولكنهم علموا أن ذلك غير جائز، فلذلك عدل عمر -رضي الله عنه- بمحضر من الصحابة إلى التوسل بدعاء العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمره كما في بعض الروايات بأن يقوم فيدعو ففعل ذلك فسقوا.
ولعل في هذا القدر كفاية لمن أراد الحق ورام اتباعه، ومن عاند وكابر فلا يجدي معه شيء، فهؤلاء كفار مكة طلبوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آية تدل على صدقه فانشق لهم القمر فقالوا: سحرنا محمد، والله الهادي إلى سواء السبيل.

الإيمان بكتب الله






الإيمان بكتب الله




يؤمن المسلم بجميع ما أنزل الله تعالى من كتاب ، وما أوتي بعض رسله من صحف ، وأنها كلام الله أوحاه إلى رسله ليبلغوا عنه شرعه ودينه ، وأن أعظم هذه الكتب ، الكتب الأربعة :( القرآن الكريم ) المنـزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، و ( التوراة ) المنـزلة على نبي الله موسى عليه السلام و( الزبور ) المنـزل على نبي الله داود عليه السلام و( الإنجيل ) المنـزل على عبد الله ورسوله عيسى عليه السلام ، وأن القرآن الكريم أعظم هذه الكتب والمهيمن عليها والناسخ لجميع شرائعها وأحكامها وذلك للأدلة النقلية السمعية ، والعقلية الآتية :
الأدلة النقلية :
1 _ أمر الله تعالى بالإيمان بها في قوله : ( يا أيهاالذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ) .
2 _ إخباره تعالى عنها في قوله : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدىً للناس وأنزل الفرقان ) وفي قوله سبحانه وتعالى : ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ) وفي قوله جلت قدرته : ( وآتينا داود زبوراً ) وفي قوله : ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين وإنه لفي زبر الأولين ) وفي قوله : ( إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى ) .
3 _ إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك في أحاديث كثيرة ، منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما بقاؤكم فيمن سلف ، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ، أُوتي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ، ثم عجزوا فأُعطوا قيراطاً قيراطاً ، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صليت العصر ، ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً ثم أوتيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين ، فقال أهل الكتاب : أقل منا عملاً وأكثر أجراً ؟ قال الله : ( هل ظلمتكم من حقكم من شيء ؟ قالوا : لا ، قال : هو فضلي أوتيه من أشاء ) وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( خفف على داود عليه السلام القرآن ( القراءة ) فكان يأمر بدوابه فتسرج فيقرأ القرآن ( التوراة أو الزبور ) قبل أن تسرج دوابه ولا يأكل إلا من عمل يديه ) وفي قوله عليه السلام : ( لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار ) وفي قوله : ( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي : كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ) وقوله عليه السلام : ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ) .
4 _ إيمان الملايين من العلماء الحكماء وأهل الإيمان في كل زمان ومكان ، واعتقادهم الجازم بأن الله تعالى قد أنزل كتباً أوحاها إلى رسله ، وخيرة الناس من خلقه ، وضمنها ما أراد من صفاته وأخبار غيبه ، وبيان شرائعه ودينه ووعده ووعيده .
الأدلة العقلية :
1 _ ضعف الإنسان واحتياجه إلى ربه في إصلاح جسمه وروحه يقتضي إنزال كتب تتضمن التشريعات والقوانين المحققة للإنسان كمالاته ، وما تتطلبه حياتاه الأولى والأخرى .
2 _ لما كان الرسل هم الواسطة بين الله تعالى الخالق وبين عباده المخلوقين ، وكان الرسل كغيرهم من البشر يعيشون زمناثم يموتون ، فلو لم تكن رسالاتهم قد تضمنتها كتب خاصة لكانت تضيع بموتهم ، ويبقى الناس بعدهم بلا رسالة ولا واسطة ، فيضيع الغرض الأصلي من الوحي والرسالة فكانت هذه حالاً تقتضي إنزال الكتب الإلهية بلا شك ولا ريب .
3 – إذا لم يكن الرسول الداعي إلى الله تعالى يحمل كتاباً من عند ربه فيه التشريع والهداية والخير سهل على الناس تكذيبه وإنكار رسالته ، فكانت هذه حالاً تقضي بإنزال الكتب الإلهية ، لإقامة الحجة على الناس .
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وجوارك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الإيمان بوجوب محبةالصحابة






الإيمان بوجوب محبةالصحابة





يؤمن المسلم بوجوب محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وآل بيته وأفضليتهم على من سواهم من المؤمنين والمسلمين ، وأنهم فيما بينهم متفاوتون في الفضل ، وعلو الدرجة بحسب أسبقيتهم في الإسلام .
فأفضلهم الخلفاء الراشدون الأربعة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، ثم العشرة المبشرون بالجنة ، وهم الراشدون الأربعة ، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد ، وأبو عبيدة عامر بن الجراح ، وعبد الرحمن بن عوف ، ثم أهل بدر ، ثم المبشرون بالجنة ، من غير العشرة كفاطمة الزهراء ، وولديها الحسنين ، وثابت بن قيس ، وبلال بن رباح وغيرهم ، ثم أهل بيعة الرضوان وكانوا ألفاً وأربعمائة صحابي رضي الله تعالى عنهم أجمعين .
كما يؤمن المسلم بوجوب إجلال أئمة الإسلام واحترامهم وتوقيرهم والتأدب معهم عند ذكرهم ، وهم أئمة الدين وأعلام الهدى كالقراء والفقهاء والمحدثين والمفسرين من التابعين وتابعي تابعيهم ، رحمهم الله ورضي عنهم اجمعين .
كما يؤمن المسلم بواجب طاعة ولاة أمور المسلمين وتعظيمهم واحترامهم والجهاد معهم والصلاة خلفهم وحرمة الخروج عليهم ، ولذا فهو يلتزم حيال كل هؤلاء المذكورين بآداب خاصة .
أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته فإنه :
1_ يحبهم لحب الله تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم لهم ، إذ أخبر تعالى أنه يحبهم ويحبونه في قوله : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) ، كما قال في وصفهم : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه ) .
2_ يؤمن بأفضليتهم على غيرهم من سائر المؤمنين والمسلمين لقوله تعالى في ثنائه عليهم :( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم ) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) .
3 _ أن يرى ان أبا بكر الصديق أفضل أصحاب رسول الله ومن دونهم على الإطلاق : وأن الذين يلونه في الفضل هم : عمر ثم عثمان ، ثم على رضي الله تعالى عنهم أجمعين وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر ولكن أخي وصاحبي ) . وقول ابن عمر رضي الله عنهما : ( كنا نقول والنبي حي : أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكرها ) ولقول علي رضي الله عنه : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ولو شئت لسميت الثالث – يعني عثمان رضي الله عنهم أجمعين .
4 _ أن يقر بمزاياهم ، ويعترف بمناقبهم كمنقبة أبي بكر وعمر وعثمان في قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد وقد رجف بهم وهم فوقه : ( أسكن أحد إنما عليك نبي وصديق وشهيدان ) وكقوله لعلي رضي الله عنه : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ ) وقوله : ( فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ) وكقوله للزبير بن العوام : ( إن لكل نبي حوارياً ، وإن حواري الزبير بن العوام ) . وكقوله في الحسن والحسين : ( اللهم أحبهما فإني أحبهما ) وكقوله لعبد الله بن عمر : ( إن عبد الله رجل صالح ) وكقوله لزيد بن حارثة : ( أنت أخونا ومولانا ) وقوله لجعفر بن أبي طالب : ( خلقي وخُلقي ) وقوله لبلال بن رباح (سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة ) وكقوله في سالم مولى أبي حذيفة وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل : ( استقرئوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ، وأُبي بن كعب ومعاذ بن جبل ) وكقوله في عائشة : (وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) وكقوله في الأنصار : ( لو أن الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً لسلكت في وادي الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار ) وقال : ( الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله ) وكقوله في سعد بن معاذ : ( اهتز العرش لموت سعد بن معاذ ) وكمنقبة أسيد بن حضير ، إذ كان مع أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ، فلما خرجا ، وإذا نور بين أيديهما يمشيان فيه فلما تفرقا تفرق النور معهما وكقوله لأبي بن كعب : ( إن الله أمرني أن أقرأ عليك : لم يكن الذين كفروا، قال : وسماني ؟ قال : نعم فبكى أُبي ) وكقوله في خالد بن الوليد : (سيف من سيوف الله مسلول ) وكقوله في الحسن : ( ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ) وكقوله في أبي عبيدة : ( لكل أمة أمين وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح ) رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين .
5 _ يكف عن ذكر مساوئهم ، ويسكت عن الخلاف الذي شجر بينهم ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبوا أصحابي ) وقوله : ( لا تتخذوهم غرضاً بعدي ) وقوله : ( فمن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه ) .
6 _ أن يؤمن بحرمة زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنهن طاهرات مبرآت ، وأن يترضى عنهن ، ويرى أن أفضلهن خديجة بنت خويلد ، وعائشة بنت أبي بكر وذلك لقول الله تعالى : ( النبي أولى بالمؤمنين من انفسهم وأزواجه أمهاتهم ) .
وأما أئمة الإسلام من قراء ومحدثين وفقهاء فإنه :
1 _ يحبهم ويترحم عليهم ويستغفر لهم ويعترف لهم بالفضل ، لأنهم ذكروا في قول الله تعالى (والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) ، وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ) . فعامة القراء والمحدثين والفقهاء والمفسرين كانوا من أهل هذه القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير . وقد أثنى الله على المستغفرين لمن سبقوا بالإيمان في قوله : ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) فهو إذاً يستغفر لكل المؤمنين والمؤمنات .
2 _ لا يذكرهم إلا بخير ، ولا يعيب عليهم قولاً ولا رأياً ، ويعلم أنهم كانوا مجتهدين مخلصين فيتأدب معهم عند ذكرهم ، ويفضل رأيهم على رأي من بعدهم وما رأوه على ما رآه من اتى بعدهم من علماء وفقهاء ومفسرين ومحدثين ، ولا يترك قولهم إلا لقول الله ، او قول رسوله ، أو قول صحابته رضوان الله عليهم أجمعين .
3 _ أن ما دونه الأئمة الأربعة : مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة ، وما رأوه ، وقالوه من مسائل الدين والفقه ، والشرع هو مستمد من كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وليس لهم إلا ما فهموه من هذين الأصلين ، أو استنبطوه منهما ، أو قاسوه عليهما ، إذا أعوزهما النص منهما ، أو الإشارة أو الإيماء فيهما .
4 – يرى أن الأخذ بما دونه أحد هؤلاء الأعلام من مسائل الفقه والدين جائز ، وأن العمل به عمل بشريعة الله عز وجل ما لم يعارض بنص صريح صحيح من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلا يترك قول الله ، أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من خلقه كائناً من كان ، وذلك لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) . وقوله : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) وقوله : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) وقوله : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) .
5 _ يرى أنهم بشر يصيبون ويخطئون ، فقد يخطىء أحدهم الحق في مسألة ما من المسائل، لا عن قصد وعمد – حاشاهم – ولكن عن غفلة أو سهو ، أو لنسيان ، أو عدم إحاطة ، فلهذا المسلم لا يتعصب لرأي أحدهم دون آخر بل له أن يأخذ عن أي واحد منهم ، ولا يرد قولهم إلا لقول الله ، أو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم .
6 _ يعذرهم فيما اختلفوا فيه من بعض مسائل الدين الفرعية ، ويرى ان اختلافهم لم يكن جهلاً منهم ، ولا عن تعصب لآرائهم ، وإنما كان : إما أن المخالف لم يبلغه الحديث ، أو رأى نسخ هذا الحديث الذي لم يأخذ به ، أو عارضه حديث آخر بلغه فرجحه عليه ، أو فهم منه ما لم يفهمه غيره ، إذ من الجائز ان تختلف الأفهام في مدلول اللفظ فيحمله كل على فهمه الخاص ، ومثال هذا ما فهمه الإمام الشافعي رحمه الله من نقض الوضوء بمس المرأة مطلقاً فهماً من قوله تعالى : ( أو لامستم النساء ) فقد فهم من ( أو لامستم ) المس ، ولم ير غيره فقال بوجوب الوضوء لمجرد مس المرأة ، وفهم غيره أن المراد من الملامسة في الآية الجماع فلم يوجبوا الوضوء بمجرد المس بل لا بد من قدر زائد كالقصد أو وجود اللذة . وقد يقول قائل : لم لا يتنازل الشافعي عن فهمه ليوافق باقي الأئمة ، ويقطع دابر الخلاف عن الأمة ؟
الجواب : أنه لا يجوز له أبداً أن يفهم عن ربه شيئاً لا يخالجه فيه أدنى ريب ، ثم يتركه لمجرد رأي او فهم إمام آخر ، فيصبح متبعاً لقول الناس تاركاً قول الله ، وهو من أعظم الذنوب عند الله سبحانه وتعالى .
نعم .. لو أن فهمه من النص عارضه نص صريح من كتاب الله أو سنة لوجب عليه التمسك بدلالة النص الظاهرة ، ويترك ما فهمه من ذلك اللفظ الذي دلالته ليست نصاً صريحاً ولا ظاهراً ، إذ لو كانت دلالته قطعية لما اختلف فيها اثنان من عامة الأمة فضلاً عن الأئمة .
وأما ولاة أمور المسلمين فإنه :
1 _ يرى وجوب طاعتهم لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ) ، وقوله : ( من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصى أميري فقد عصاني ) .
ولكن لا يرى طاعتهم في معصية الله عز وجل ، لأن طاعة الله مقدمة على طاعتهم في قوله تعالى : ( ولا يعصينك في معروف ) ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال : ( إنما الطاعة في المعروف ) وقال أيضاً : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) وقوله : ( لا طاعة في معصية الله ) وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام : ( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) .
2 _ يرى حرمة الخروج عليهم ، أو إعلان معصيتهم لما في ذلك من شق عصا الطاعة على سلطان المسلمين ، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية ) وقوله : ( من أهان السلطان أهانه الله ) .
3 _ أن يدعو لهم بالصلاح والسداد والتوفيق والعصمة من الشر ومن الوقوع في الخطأ ، إذ صلاح الأمة في صلاحهم ، وفسادها بفسادهم ، وأن ينصح لهم في غير إهانة ، وانتقاص كرامة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة ، قلنا لمن ؟ قال لله ولكتابه ، ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) .
4 _ أن يجاهد وراءهم ويصلي خلفهم ، وإن فسقوا وارتكبوا المحرمات التي هي دون الكفر لقوله عليه الصلاة والسلام لمن سأله عن طاعة أمراء السوء : ( اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ) . ولقول عبادة بن الصامت : ( بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، قال : إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان ) .
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وجوارك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الإيمان بالملائكة







الإيمان بالملائكة





يؤمن المسلم بملائكة الله تعالى ، وأنهم خلق من أشرف خلقه ، وعباد مكرمون من عباده ، خلقهم من نور ، كما خلق الإنسان من صلصال كالفخار ، وخلق الجان من مارج من نار ، وأنه تعالى وكلهم بوظائف فهم بها قائمون ، فمنهم الحفظة على العباد ، والكاتبون لأعمالهم ، ومنهم الموكلون بالجنة ونعيمها ، ومنهم الموكلون بالنار وعذابها ، ومنهم المسبحون الليل والنهار لا يفترون .
وأنه تعالى فاضل بينهم ، فمنهم الملائكة المقربون ، كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومنهم دون ذلك .
وذلك لهداية الله تعالى له أولاً ، ثم للأدلة النقلية والعقلية الآتية :
الأدلة النقلية
1 _ أمره تعالى بالإيمان بهم ، وإخباره عنهم في قوله : ( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً ) . وفي قوله جل جلاله : ( من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل فإن الله عدوٌ للكافرين ) وفي قوله لا إله إلا هو ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ، ولا الملائكة المقربون ) وفي قوله جلت قدرته : ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية) وفي قوله عظمت حكمته : ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) وفي قوله تقدست أسماؤه : ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ) وفي قوله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) .
2 _ إخبار رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله في دعائه عندما يقوم لصلاة الليل : ( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) . وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( أطَّت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجد ) وفي قوله : ( إن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون ) وفي قوله : ( إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون ، الأول فالأول ، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤوا يستمعون الذكر ) وفي قوله( يتمثل لي الملك أحياناً رجلاً فيكلمني فاعي ما يقول ) وفي قوله : ( يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ) وفي قوله ( خلق الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم ) .
3 _ رؤية العدد الكثير من الصحابة رضي الله عنهم للملائكة يوم بدر ورؤيتهم الجماعية غير مرة لجبريل أمين الوحي –عليه السلام – إذ كان ياتي أحياناً في صورة دحية الكلبي فيشاهدونه ، ومن أشهر ذلك حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مسلم ، وفيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم : أتدرون من السائل ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم .
4 _ إيمان آلاف الملايين من المؤمنين أتباع الرسل في كل زمان ومكان بالملائكة وتصديقهم بما أخبرت عنهم الرسل من غير شك ولا تردد .
الأدلة العقلية :
1_ إن العقل لا يحيل وجود الملائكة ولا ينفيه ، لأن العقل لا يحيل ولا ينفي إلا ما كان مستلزماً لاجتماع الضدين ككون الشيء موجوداً ومعدوماً في آن واحد ، أو النقيضين ، كوجود الظلمة والنور معاً مثلاً ، والإيمان بوجود الملائكة لا يستلزم شيئاً من ذلك أبداً .
2 _ إذا كان من المسلم به لدى كافة العقلاء أن أثر الشيء يدل على وجوده ، فإن للملائكة آثاراً كثيرة تقضي بوجودهم وتؤكده ، ومن ذلك :
أولاً – وصول الوحي إلى الأنبياء والمرسلين ، إذ كان غالباً ما يصلهم بواسطة الروح الأمين جبريل – عليه السلام – الملك الموكل بالوحي ، وهذا أثر ظاهر لا ينكر ، وهو مثبت ومؤكد لوجود الملائكة .
ثانياً – وفاة الخلائق بقبض أرواحهم ، فإنه أثر ظاهر ، كذلك دال على وجود ملك الموت وأعوانه ، قال تعالى : ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) .
ثالثاً – حفظ الإنسان من أذى الجان والشيطان وشرورهما طول حياته ، وهو يعيش بينهما ويريانه ولا يراهما ، ويقدران على أذيته ولا يقدر على أذاهما ، أوحتى دفع شرهما دليل على وجود حفظة للإنسان يحفظونه ويدفعون عنه ، قال تعالى : ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) .
رابعاً – عدم رؤية الشيء لضعف البصر أو لفقد الإستعداد الكامل لرؤية الشيء لا ينفي وجوده ، إذ هناك أشياء كثيرة من الماديات في عالم الشهادة كانت تقصر عنها الرؤية بالعين المجردة وأصبحت الآن ترى بوضوح وذلك بواسطة المكبرات للنظر .
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وجوارك ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

تفسير سورة المزمل ابن كثير

  تفسير ابن كثير - جـ ١٤ ( ص: ١٦٠ ) ‌ ‌تفسير سورة المزمل وقوله مكية قال الحافظ أبو بكر بن عمرو بن عبد الخالق البزار (1) : حدثنا محمد بن موسى...