الخميس، 25 أبريل 2013

الصبر وأثره في حياة المسلم




الصبر وأثره في حياة المسلم




الحمد لله الذي وعد الصابرين أجرهم بغير حساب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام الصابرين وسيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فقد قال الله تعالى: }مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{([1])، قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلَّم وقال تعالى: }قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ{([2])، وقال تعالى: }مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ{([3])، وفي الحديث الصحيح: «والصبر ضياء» رواه أحمد ومسلم، وللبخاري ومسلم مرفوعًا: «وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر». وقال عمر بن الخطاب t«خير عيش أدركناه بالصبر» رواه البخاري.
والصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخط وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش كخمش الوجوه وشق الثياب عند المصيبة، والصبر يكون بالله ولله ومع الله، فالصبر بالله هو الاستعانة به سبحانه فهو وحده المعين على الصبر كما قال تعالى: }وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللهِ{([4]) والصبر لله هو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله وإرادة وجهه والتقرب إليه كما قال تعالى: }وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِربّهم{([5])، والصبر مع الله. هو دوران العبد مع مراد الله الدينى منه ومع أحكامه الدينية صابرًا نفسه معها، سائرًا بسيرها، مقيمًا بإقامتها، يتوجه معها أين توجهت، فهذا معنى كونه صابرًا مع الله أي قد جعل نفسه وقفًا على أوامر الله ومحابه، والصبر نصف الإيمان فإنه مركب من صبر وشكر، كما قال بعض السلف: الإيمان نصفان: فنصف صبر ونصف شكر.([6]).
وقال تعالى: }إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ{، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فكما أنه لا حياة لمن لا رأس له، فلا إيمان لمن لا صبر له. وهو ثلاثة أنواع: صبر على فرائض الله فلا يضيعها، وصبر على محارمه فلا يرتكبها، وصبر على أقضيته وأقداره فلا يتسخطها، ومن استكمل هذه المراتب الثلاث فقد استكمل الصبر والإيمان، ولذة الدنيا والآخرة ونعيمهما، والفوز والظفر فيهما لا يوصل إليه إلا على جسر الصبر، كما لا يصل أحد إلى الجنة إلا على الصراط، فلا ينال دينًا ولا دنيا إلا بالصبر، وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، كما قال تعالى: }أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ{([7]).
وإذا تأملت مراتب الكمال المكتسب في العالم رأيتها كلها منوطة بالصبر، وإذا تأملت النقصان الذي يذم صاحبه عليه ويدخل تحت قدرته رأيته كله من عدم الصبر، فالشجاعة والعفة والجود والإيثار كلها صبر ساعة، وأكثر أسقام البدن والقلب إنما تنشأ عن عدم الصبر، فما حفظت صحة القلوب والأبدان والأرواح بمثل الصبر، ولو لم يكن في الصبر إلا معية الله مع أهله فإن الله مع الصابرين، ومحبته لهم فإن الله يحب الصابرين، ونصره لأهله فإن النصر مع الصبر، وأنه خير لأهله: }ولَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ{، وأنه سبب الفلاح والفوز كما قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ [سورة آل عمران: آية 200]([8]).
وقال تعالى: }وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{([9])، وقال r«ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني فى مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها» رواه مسلم.
أيها المسلم الكريم: العبد في تنقلاته في هذه الحياة وأطواره فيها لا يخلو من حالتين إما أن يحصل له ما يحب ويندفع عنه ما يكره، فوظيفته في هذه الحالة الشكر والاعتراف بأن ذلك من نعم الله عليه، فيعترف بها باطنًا، ويتحدث بها ظاهرًا، ويستعين بها على طاعة الله وهذا هو الشاكر حقًّا. الحالة الثانية: أن يحصل للعبد المكروه أو يفقد المحبوب فيحدث له همًّا وحزنًا وقلقًا فوظيفته الصبر لله، فلا يتسخط ولا يضجر ولا يشكو للمخلوق ما نزل به بل تكون شكواه لخالقه سبحانه وتعالى، ومن كان في الضراء صابرًا وفي السراء شاكرًا فحياته كلها خير وبذلك يحصل على الثواب الجزيل ويكتسب الذكر الجميل قال r «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» رواه مسلم.
والخير الحاصل للشاكرين هو الزيادة }وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ{([10]) والخير الحاصل للصابرين هو الأجر والثواب والمغفرة والرحمة.
أيها المسلم الكريم: متى أصابك مكروه في بدنك أو مالك أو حبيبك، فاعلم أن الذي قدَّره حكيم عليم، لا يفعل شيئًا عبثا يُقَدِّرُ شيئًا سدى، وأنه تعالى رحيم قد تنوعت رحمته على عبده يرحمه فيعطيه، ثم يرحمه فيوفقه للشكر ويرحمه فيبتليه، ثم يرحمه فيوفقه للصبر. فرحمة الله متقدمة على التدابير السارة والضارة ومتأخرة عنها، ويرحمه أيضًا بأن يجعل ذلك البلاء مكفرًا لذنوبه وآثامه، ومنميًا لحسناته، ورافعًا لدرجاته، ومن استكمل مراتب الصبر والشكر فهو الكامل في كل أحواله، وإذا أصيب العبد بمصيبة فآمن بالقدر ولجأ إلى الصبر والاحتساب خفت وطأتها وهانت مشقتها، وتم له أجرها وكان من الفضلاء الكرام، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم([11]).
روى البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r عاد سعد بن عبادة ومعه عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم، فبكى رسول الله r فلما رأى القوم بكاء رسول الله r بكوا فقال: «ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا (وأشار إلى رأسه) أو يرحم»، وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أن رسول الله r رفع إليه ابن ابنته وهو في الموت ففاضت عينا رسول الله r فقال سعد ما هذا يا رسول الله قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء»، وفي صحيح البخاري عن أنس t، أن رسول الله r دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله rتذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟! قال: «يا ابن عوف إنها رحمة» ثم أتبعها بأخرى فقال: «إن العين لتدمع، والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون».
أما الذي منعه الشرع عند المصائب فهو التسخط والجزع والندب -وهو تعداد محاسن الميت- والنياحة -وهي رفع الصوت بذلك- كما نهى عن لكم الخدود، وشق الجيوب، وحلق الشعور عند المصيبة وهو من كبائر الذنوب، حيث تبرأ رسول الله r من فاعله فقد قال r«ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» رواه البخاري في صحيحه.
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري t أن رسول الله r (برئ من الصالقة والحالقة والشاقة) فالصالقة: هي التى ترفع صوتها بالنياحة عند المصيبة، والحالقة: هي التى تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة: هي التى تشق ثيابها عند المصيبة، وكل هذا حرام باتفاق العلماء.
وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: أرسلت إحدى بنات رسول الله r للرسول تدعوه وتخبره أن ابنًا لها في الموت، فقال عليه الصلاة والسلام للرسول: «ارجع إليها فأخبرها: أن لله ما أخذ، وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب».
قال النووي رحمه الله: فهذا الحديث من أعظم قواعد الإسلام المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه والأدب، والصبر عند النوازل كلها والهموم والأسقام وغير ذلك من الأعراض، ومعنى قوله r«إن لله ما أخذ» أن العالم كله ملك لله لم يأخذ ما هو لكم، بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

1- أن ما يصيب المؤمنين من الشرور دون ما يصيب الكافرين.
2- أن ما يصيب المؤمنين مقرون بالرضا والاحتساب فإن فاتهم ما يريدون فمعولهم على الصبر والاحتساب، وذلك يخفف البلاء بلا ريب.
3- أن المؤمن محمول عنه بحسب طاعته وإخلاصه، ووجود حقائق الإيمان في قلبه، بحيث لو كان شيء منه
 على غيره لعجز عن حمله وهذا من دفع الله عن عبده المؤمن.
4- أن محبة الله إذا تمكنت في القلب كان أذى المحب في رضا محبوبه مُسْتحلى غير مسخوط.
5- أن ما يصيب الكافر والفاجر من العز وتوابعه مقرون بضده.
6- أن ابتلاء الله لعبده المؤمن كالدواء يستخرج منه الأدواء التى لو بقيت أهلكته أو نقصت ثوابه.
7- أن ذلك من الأمور اللازمة للبشر.
8- أن لله في ذلك حكمًا عظيمةً معروفةً.
9- أن ذلك من الابتلاء والامتحان الذي يظهر به الصادق من الكاذب.
10- أن الإنسان مدني بالطبع، ولا بد من الاختلاط واختلاف التصورات والإرادات التي تنشأ عنها كثير من الأكدار، والمؤمن مأمور أن يقوم بوظيفته فيها، وذلك مما يهون المصيبة.
11- أن البلاء الذي يصيب العبد لا يخرج عن أربعة أقسام.
 إما أن يكون في نفسه، أو في ماله، أو في عرضه، أو في أهله ومن يحب، والناس مشتركون في حصولها. فغير المؤمن التقي يلقى منها أعظم مما يلقى المؤمن كما هو مشاهد([12]).
والحمد لله رب العالمين وصلوات الله وسلامه على خير خلقه وأنبيائه نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

ومن منازل }إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ{ منزلة الصبر.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا.
وهو واجب بإجماع الأمة. وهو نصف الإيمان. فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعًا.
الأول: الأمر به. نحو قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ{ [البقرة: 2] وقوله: }وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ{ [البقرة: 45] وقوله: }اصْبِرُوا وَصَابِرُوا{ [آل عمران: 200] وقوله }وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللهِ{ [النحل: 127].
الثاني: النهي عن ضده كقوله }فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ{ [الأحقاف: 35] وقوله: }فلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ{ [الأنفال: 15] فإن تولية الأدبار. ترك للصبر والمصابرة وقوله }وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ{ [محمد: 33] فإن إبطالها ترك الصبر على إتمامها. وقوله }وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا{ [آل عمران: 139] فإن الوهن من عدم الصبر.
الثالث: الثناء على أهله، كقوله تعالى: }الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ{ [آل عمران: 17] وقوله }وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ{ [البقرة: 176] وهو كثير في القرآن.
الرابع: إيجابه سبحانه وتعالى محبته لهم. كقوله: }وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ{ [البقرة: 146].
الخامس: إيجاب معيته لهم. وهي معية خاصة. تتضمن حفظهم ونصرهم، وتأييدهم. ليست معية عامة. وهي معية العلم، والإحاطة. كقوله}وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ{ [الأنفال: 47] وقوله: } وَاللهُ مع الصَّابِرِينَ{ [البقرة: 249، والأنفال: 66].
السادس: إخباره بأن الصبر خير لأصحابه. كقوله }وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ{ [النحل: 126] وقوله }وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ{ [النساء: 24].
السابع: إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم. كقوله تعالى }وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [النحل: 96].
الثامن: إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب. كقوله تعالى }إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{ [يونس: 39].
التاسع: إطلاق البشرى لأهل الصبر. كقوله تعالى }وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{ [البقرة: 155].
العاشر: ضمان النصر والمدد لهم. كقوله تعالى }بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ{ [آل عمران: 125]، ومنه قول النبي r«واعلم أن النصر مع الصبر».
الحادي عشر: الإخبار منه تعالى أن أهل الصبر هم أهل العزائم. كقوله تعالى: }وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ{ [الشورى: 43].
الثاني عشر: الإخبار أنه ما يُلَقَّى الأعمال الصالحة وجزاءها والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر، كقوله تعالى }وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ{ [القصص: 80] وقوله }وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{ [فصلت: 35].
الثالث عشر: الإخبار أنه إنما ينتفع بالآيات والعبر أهل الصبر كقوله لموسى }أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ{ [إبراهيم: 5] وقوله في أهل سبأ }فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ{ [سبأ: 19] وقوله في سورة الشورى }وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ{ [الشورى: 33].
الرابع عشر: الإخبار بأن الفوز المطلوب المحبوب، والنجاة من المكروه المرهوب، ودخول الجنة، إنما نالوه بالصبر. كقوله تعالى }وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ{ [الرعد: 26].
الخامس عشر: أنه يورث صاحبه درجة الإمامة. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: بالصبر واليقين تنال الامامة في الدين. ثم تلا قوله تعالى }وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ{ [السجدة: 24].
السادس عشر: اقترانه بمقامات الإسلام، والإيمان، كما قرنه سبحانه باليقين وبالإيمان والتوكل. وبالشكر والعمل الصالح والرحمة([13]).
من محاسن أخلاق المسلم التى يتحلى بها: الصبر، واحتمال الأذى فى ذات الله تعالى. أما الصبر فهوحبس النفس على ما تكره، أو احتمال المكروه بنوع من الرضا والتسليم.
فالمسلم يحبس نفسه على ما تكره من عبادة الله وطاعته، ويلزمها بذلك إلزامًا، ويحبسها دون معاصي الله عز وجل فلا يسمح لها باقترابها، ولا يأذن لها في فعلها مهما تاقت لذلك بطبعها، وهشت له، ويحبسها على البلاء إذا نزل بها فلا يتركها تجزع، ولا تسخط، إذ الجزع، كما قال الحكماء على الفائت آفة، وعلى المتوقع سخافة، والسخط على الأقدار معاتبة لله الواحد القهار، وهو في كل ذلك مستعين بذكر الله تعالى بالجزاء الحسن على الطاعات، وما أعد لأهلها من جزيل الأجر وعظيم المثوبات، وبذكر وعيده تعالى لأهل بغضته وأصحاب معصيته، من أليم العذاب، وشديد العقاب ويتذكر أن أقدار الله جارية، وأن قضاءه تعالى عدل، وأن حكمه نافذ، صبر العبد أم جزع، غير أنه مع الصبر الأجر ومع الجزع الوزر. ولما كان الصبر وعدم الجزع من الأخلاق التي تكتسب وتنال بنوع من الرياضة والمجاهدة، فالمسلم بعد افتقاره إلى الله تعالى أن يرزقه الصبر، فإنه يستلهم الصبر بذكر ما ورد فيه من أمر، وما وعد عليه من أجر، كقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{([14]) وقوله: }وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ{([15]وقوله }وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللهِ{([16]) وقوله }وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ{([17]) وقوله تعالى }وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{([18]) وقوله }وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{([19]) وقوله}وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ{([20]) وقوله }إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{([21]) وقول الرسول r «الصبر ضياء»([22]) وقوله: «ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر»([23]) وقوله: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»([24]).
وقوله عليه الصلاة والسلام لابنته وقد أرسلت إليه تطلب حضوره، إذ ولدها قد احتضر فقال لرسولها: «أقرأها السلام، وقل لها: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب»([25])، وقوله: «يقول الله عز وجل: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه (عينيه) فصبر عوضته منهما الجنة»([26])، وقوله: «من يرد الله به خيرًا يصب منه»([27]). وقوله: «إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط»([28]) وقوله عليه الصلاة والسلام: «ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة»([29])
وأما احتمال الأذى فهو الصبر ولكنه أشق، وهو بضاعة الصديقين، وشعار الصالحين، وحقيقته أن يؤذى المسلم في ذات الله تعالى فيصبر ويتحمل، فلا يرد السيئة بغير الحسنة، ولا ينتقم لذاته، ولا يتأثر لشخصيته ما دام ذلك في سبيل الله، ومؤديًا إلى مرضات الله، وأسوته في ذلك المرسلون الصالحون إذ يندر من لم يؤذ منهم في ذات الله، ولم يبتل في طريقه إلى الوصول إلى الله، قال عبدالله بن مسعود t: كأني أنظر إلى رسول الله r يحكي نبيًّا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»([30]) هذه صورة من صور احتمال الأذى كانت لرسول الله r، وصورة أخرى له: «قسم يومًا مالاً، فقال أحد الأعراب: قسمة ما أريد بها وجه الله، فبلغ ذلك رسول الله فاحمرت وجنتاه، ثم قال: يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر»([31]).
وقال خباب بن الأرت t: (شكونا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تنتصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دين الله)([32]) وقص الله لنا عن المرسلين وحكى عنهم قولهم وهم يتحملون الأذى فقال: }وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ{([33]) وكان عيسى بن مريم عليه السلام يقول لبني إسرائيل: (لقد قيل لكم من قبل: إن السن بالسن والأنف بالأنف، وأنا أقول لكم لا تقاوموا الشر، بالشر بل من ضرب خدك الأيمن فحول إليه الخد الأيسر، ومن أخذ منك رداءك فأعطه إزارك)([34])
وكان بعض أصحاب رسول الله r يقولون: ما كنا نعد إيمان الرجل إيمانًا إذا لم يصبر على الأذى!.
على ضوء هذه الصور الناطقة، والأمثلة الحية من الصبر والتحمل يعيش المسلم صابرًا محتسبًا متحملاً، لا يشكو ولا يتسخط، ولا يدفع المكروه بالمكروه، ولكن يدفع السيئة بالحسنة ويعفو ويصبر ويغفر: }وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ{([35]).

قاعدة: الصبر عن المعصية ينشأ من أسباب عديدة:
1- أحدها:
 علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها، وأن الله إنما حرَّمها ونهى عنها صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل، كما يحمي الوالد الشفيق ولده عما يضره. وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يعلق عليها وعيد بالعذاب.
2- السبب الثاني:
 الحياء من الله سبحانه، فإن العبد متى علم بنظره إليه ومقامه عليه وأنه بمرأى منه ومسمع وكان حييًّا استحيى من ربه أن يتعرض لمساخطه.
3- السبب الثالث:
  مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك، فإن الذنوب تزيل النعم ولابد، فما أذنب عبد ذنبًا إلا زالت عنه نعمة من الله بحسب ذلك الذنب، فإن تاب وراجع رجعت إليه أو مثلها، وإن أصرلم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمة نعمة حتى تسلب النعم كلها، كما قال تعالى: }إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ{ وأعظم النعم الإيمان، وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر وانتهاب النهبة يزيلها ويسلبها. وقال بعض السلف: أذنبت ذنبًا فحرمت من قيام الليل سنة. وقال آخر أذنبت ذنبًا فحرمت فهم القرآن. وفي مثل هذا قيل:
إذا كنت في نعمة فارعها





فإن المعاصي تزيل النعم

وبالجملة فإن المعاصي نار النعم تأكلها كما تأكل النار الحطب، عياذا بالله من زوال نعمته وتحول عافيته.
4- السبب الرابع:
خوف الله وخشية عقابه، وهذا إنما يثبت بتصديقه في وعده ووعيده والإيمان به وبكتابه وبرسوله. وهذا السبب يقوى بالعلم واليقين، ويضعف بضعفهما. قال الله تعالى: }إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ{ وقال بعض السلف: كفى بخشية الله علمًا، وبالاغترار بالله جهلاً.
5- السبب الخامس:
محبة الله، وهي من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفتة ومعاصيه، فإن المحب لمن يحب مطيع.
6- السبب السادس:
شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التى تحطها وتضع قدرها، وتخفض منزلتها وتحقرها، وتسوى بينها وبين السفله.
7- السبب السابع:
قوة العلم بسوء عاقبة المعصية، وقبح أثرها، والضرر الناشئ منها، من سواد الوجه وظلمة القلب، وضيقه وغمه، وحزنه وألمه، وانحصاره وشدة قلقه واضطرابه، وتمزق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوه، فإن الذنوب تميت القلوب، والعبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب منها صقل قلبه، وإن أذنب ذنبًا آخر نكت نكتة أخرى ولا تزال حتى تعلو قلبه، فذلك هو الران قال تعالى: }كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{[المطففين: 14].
وبالجملة: فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علمًا، وآثار الطاعة الحسنه أكثر من أن يحيط بها علمًا فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته، وفي بعض الآثار يقول الله سبحانه وتعالى: «من ذا الذي أطاعني فشقى بطاعتي؟ ومن ذا الذي عصاني فسعد بمعصيتي؟».
8- السبب الثامن:
قصر الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو مزمع الخروج منها، أو كراكب قال في ظل شجرة ثم سار وتركها فهو لعلمه بقلة مقامه وسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله ويضره ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما بحضرته، فليس للعبد أنفع من قصر الأمل ولا أضر من التسويف وطول الأمل.
9- السبب التاسع:
مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس، فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأ من هذه القضلات، فإنها تطلب لها مصرفًا فيضيق عليها المباح فتتعداه إلى الحرام وأعظم الأشياء ضررًا على العبد بطالته وفراغه، فإن النفس لا تقعد فارغة، بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلته بما يضره ولابد.

10- السبب العاشر:
وهو الجامع لهذه الأسباب كلها: ثبات شجرة الإيمان في القلب، فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتم، وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر. والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
فصل:
والصبر على الطاعة ينشأ من معرفة هذه الأسباب ومن معرفة ما تجلبه الطاعة من العواقب الحميدة والآثار الجميلة، ومن أقوى أسبابها الايمان والمحبة، فكلما قوي داعى الإيمان والمحبة في القلب كانت استجابته للطاعة بحسبه.
فصل: والصبر على البلاء ينشأ من أسباب عديدة:
1- أحدها:
 معرفة جزائها وثوابها.
2- الثاني:
العلم بتكفيرها للسيئات ومحوها لها.
3- الثالث:
 الإيمان بالقدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن تخلق فلا بد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاء.
4- الرابع:
 معرفة حق الله عليه في تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى، فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه.
5- الخامس:
 العلم بترتبها عليه بذنبه،كما قال الله تعالى: }وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ{ سورة الشورى آية (30).
فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة.
قال علي بن أبي طالب: (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة).
6- السادس:
 أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوف قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدي الحق.
7- السابع:
 أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع ساقه اليه الطبيب العليم بمصلحتة الرحيم به، فليصبر على تجرعه، ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلا.
8- الثامن:
 أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره. قال تعالى: }وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ{[سورة البقرة آية 216].
9- التاسع:
 أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
10- العاشر:
 أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال. فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال وقال: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر. نسأل الله أن يسترنا بعافيته، ولا يفضحنا بابتلائه بمنه وكرمه([36]).
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.





تأليف الفقير إلى الله تعالى
عبدالله بن جار الله الجار الله

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين


الأصول الثلاثة وأدلتها








الأصول الثلاثة وأدلتها







اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل:

الأولى: العلم، وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
الثانية: العمل به.
الثالثة: الدعوة إليه.
الرابعة:الصبر على الأذى فيه.
والدليل قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].
قال الشافعي رحمه الله تعالى: ( لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم ).
وقال البخاري رحمه الله تعالى: ( باب العلم قبل القول والعمل، والدليل قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ [محمد:19]. فبدأ بالعلم قبل القول والعمل ).
اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة، تعلم هذه الثلاث مسائل، والعمل بهن:
الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
والدليل قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً [المزمل:16،15].
الثانية: أن الله لا يرضي أن يُشرك معه أحد في عبادته لا ملَك مقرب ولا نبي مرسل.
والدليل قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [الجن:18].
الثالثه: أن من أطاع الرسول ووحّد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب.
والدليل قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22].اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم، أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُوِن [الذاريات:56]، ومعنى ِيَعْبُدُوِن يوحدون، وأعظم ما أمر الله به: التوحيد وهو إفراد الله بالعبادة وأعظم ما نهى عنه: الشرك، وهو دعوة غيره معه.
والدليل قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّه وَلاَ تُشرِكُوا بِهِ شَيئاً [النساء:36].
فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟
فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمد .
الأصل الأول: معرفة الرب:
فإذا قيل لك:من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه، وهو معبودي ليس لي معبود سواه.
والدليل قوله تعالى: الحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِيْن [الفاتحة:2] وكل من سوى الله عالم، وأن واحد من ذلك العالم.
فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ فقل بآياته ومخلوقاته، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السموات السبع، والأرضون السبع، ومن فيهن وما بينهما.
والدليل قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت:37]، وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54].
والرب هو: المعبود.
والدليل قوله تعالى: يَأيُّهَا النَّاسُ اعبُدُوا ربَّكُمُ الذَِّي خَلَقَكُم وَالذِّينَ مِن قَبلكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ(21) الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرضَ فِرَاشًا وَالسَّمآءَ بِنآءً وَأنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَاَءً فَأخرَجَ بِهِ مِن الثَّمراتِ رِزقًا لّكُم فَلاَ تَجعَلُواْ لَلَّهِ أندَادًا وَأنتُم تَعَلُمونَ [البقرة:22،21].
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ( الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة ).
وأنواع العبادة التي أمر الله بها، مثل الإسلام، والإيمان، والإحسان، ومنه الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها، كلها.
والدليل قوله تعالى: وَأنَّ المَسَاجِد لِلَّهِ فَلا تَدعُوا مَعَ اللَّهِ أحَداً [الجن:18].
فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر.
والدليل قوله تعالى: وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117].
وفي الحديث: { الدعاء مخ العبادة }.
والدليل قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].
ودليل الخوف قوله تعالى: فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:175].
ودليل الرجاء قوله تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110].
ودليل التوكل قوله تعالى: وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [المائدة:23]، وقوله: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3].
ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].
ودليل الخشية قوله تعالى: فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي [البقرة:150].
ودليل الاستعانة قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1].
ودليل الاستغاثة قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ [الأنفال:9].
ودليل الذبح قوله تعالى: لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163].
ومن السنة { لعن الله من ذبح لغير الله }.
ودليل النذر قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً [الإنسان:7].
الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالإدلة
وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، وهو ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وكل مرتبة لها أركان.
المرتبة الأولى:
فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.
فدليل الشهادة قوله تعالى: شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18].
ومعناها: لا معبود بحق إلا الله وحده (لا إله) نافياً ما يعبد من دون الله.
(إلا الله) مثبتاً العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه ليس له شريك في ملكه.
وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:26-28].
وقوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].
ودليل شهادة أن محمداً رسول الله قوله تعالى: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة:128].
ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5].
ودليل الصيام قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ َ[البقرة:183].
ودليل الحج قوله تعالى: ولِلَّهِ عَلَى الناسِ حِجُّ البَيِت مِنَ استَطَاعَ إلَيهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإنَّ الَّلهَ غَني عِن العَالَمِينَ [آل عمران:97].
المرتبة الثانية:
الإيمان: وهو بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان.
وأركانه ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره شره.
والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة:177].
ودليل القدر قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49].
المرتبة الثالثة:
الإحسان: ركن واحد، وهو: ( أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ).
والدليل قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ [النحل:128]. وقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:217 ـ220]. وقوله تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:61]. والدليل من السنة: حديث جبريل المشهور عن عمر بن الخطاب قال: ( بينا نحن جلوس عند النبي إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقا ل: يا محمد أخبرني عن الإسلام. قال: { أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا }. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: أخبرني عن الإيمان. قال: { أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره } قال: أخبرني عن الإحسان. قال: { أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك } قال أخبرني عن الساعة. قال: { ما المسؤول عنها بأعلم من السائل }. قال: أخبرني عن أماراتها. قال: { أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان } قال: فمضى. فلبثنا ملياً. فقال: { يا عمر أتدرون من السائل } قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: { هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم }.
الأصل الثالث: معرفة نبيكم عليه الصلاة والسلام
وهو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم. وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبياً رسولاً. نبىء بـ اقْرَأْ وأرسل بـ الْمُدَّثِّرُ . وبلده مكة، بعثه الله بالنذارة عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد. والدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:1ـ7].
ومعنى قُمْ فَأَنذِرْ ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ عظمه بالتوحيد وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ أي طهر أعمالك من الشرك وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ الرجز: الأصنام، وهجرها تركها وأهلها والبراءة منها وأهلها، أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عرج به إلى السماء، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة.
والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة: والدليل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً النساء:97 ـ99]. وقوله تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56].
قال البغوي رحمه الله: ( سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان ).
والدليل على الهجرة من السنة قوله : { لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها }.
فلما استقر في المدينة، أمر ببقية شرائع الإسلام، مثل الزكاة، والصوم، والحج، والأذان، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام. أخذ على هذا عشر سنين، وبعدها توفي، صلاة الله وسلام عليه، ودينه باقٍ.
وهذا دينه لا خير إلا دله الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، والخير الذي دلها عليه: التوحيد، وجميع ما يحبه الله ويرضاه. والشر الذي حذرها منه: الشرك وجميع ما يكره الله ويأباه، بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض طاعته على جميع الثقلين: الجن والإنس.
والدليل قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف:158]. وكمل الله به الدين.
والدليل قول تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً [المائدة:3].
والدليل على موته قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:31،30].
والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]. وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً [نوح:18،17]. وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم.
والدليل قول تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31]. ومن كذب بالبعث كفر.
والدليل قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7]. وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين.
والدليل قوله تعالى: رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] وأولهم نوح عليه السلام، وآخرهم محمد وهو خاتم النبيين.
والدليل على أن أولهم نوح قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ [النساء:163].
وكل أمة بعث الله إليها رسولاً من نوح إلى محمد يأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة الطاغوت.
والدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل:36]. وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله.
قال ابن القيم رحمه الله: ( معنى الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع ).
والطواغيت كثيرون، رؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عبد وهو راض، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئاً من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله.




لشيخ الإسلام  محمد التميمي

صوت صفير البلبل





صوت صفير البلبل



 
كان الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور يضيق على الشعراء فهو كان يحفظ القصيدة من أول مرة يسمعها فيها فكان يدعي بأنه سمعها من قبل فبعد أن ينتهي الشاعر من قول القصيدة يقوم الأمير بسرد القصيدة إليه و كان لديه غلام يحفظ القصيدة بعد أن يسمعها مرتين فكان يأتي به ليسردها بعد أن يقولها الشاعر و من ثم الخليفة و كان لديه جارية تحفظ القصيدة من المرة الثالثة فيأتي بها لتسردها بعد الغلام ليؤكد للشاعر بأن القصيدة قد قيلت من قبل و هي في الواقع من تاأليفه و كان يعمل هذا مع كل الشعراء فأصيب الشعراء بالخيبة و الإحباط خاصة أن الخليفة كان قد وضع مكافأة للقصيدة التي لا يستطيع سردها وزن ما كتبت عليه ذهبا فسمع الأصمعي بذلك فقال : إن بالأمر مكر . فأعد قصيدة منوعة الكلمات وغريبة المعاني و لبس لبس الأعراب و تنكر حيث أنه كان معروفاً لدى الأمير فدخل على الأمير وقال : إن لدي قصيدة أود أن ألقيها عليك و لا أعتقد أنك سمعتها من قبل. فقال له الأمير هات ما عندك ، فألقى عليه القصيدة التالية : 

صـوت صــفير الـبلبـلي *** هيج قـــلبي الثمــلي

المـــــــاء والزهر معا *** مــــع زهرِ لحظِ المٌقَلي 

و أنت يا ســـــــــيدَ لي *** وســــــيدي ومولي لي 

فكــــــــم فكــــم تيمني *** غُـــزَيلٌ عقــــــــــيقَلي 

قطَّفتَه من وجــــــــــنَةٍ *** من لثم ورد الخــــجلي 

فـــــــقال لا لا لا لا لا *** وقــــــــد غدا مهرولي 

والخُـــــوذ مالت طربا *** من فعل هـــذا الرجلي 

فــــــــولولت وولولت *** ولـــــي ولي يا ويل لي 

فقلت لا تولولـــــــــي *** وبيني اللؤلؤ لــــــــــي 

قالت له حين كـــــــذا *** انهض وجــــــد بالنقلي 

وفتية سقــــــــــــونني *** قـــــــــهوة كالعسل لي 

شممـــــــــــتها بأنافي *** أزكـــــــى من القرنفلي 

في وســط بستان حلي *** بالزهر والســـــرور لي 

والعـــود دندن دنا لي *** والطبل طبطب طب لـي 

طب طبطب طب طبطب *** طب طبطب طبطب طب لي 

والسقف سق سق سق لي *** والرقص قد طاب لي 

شـوى شـوى وشــــاهش *** على ورق ســـفرجلي 

وغرد القمري يصـــــيح *** ملل فـــــــــــي مللي 

ولــــــــــــو تراني راكبا *** علــــى حمار اهزلي 

يمشي علــــــــــــى ثلاثة *** كمـــــشية العرنجلي 

والناس ترجــــــــم جملي *** في الســوق بالقلقللي 

والكـــــــــل كعكع كعِكَع *** خلفي ومـــن حويللي 

لكـــــــــــن مشيت هاربا *** من خشـــية العقنقلي 

إلى لقاء مــــــــــــــــلك *** مــــــــــعظم مبجلي 

يأمر لي بخـــــــــــــلعة *** حمـــراء كالدم دملي 

اجــــــــــــر فيها ماشيا *** مبغــــــــــددا للذيلي 

انا الأديب الألمــعي من *** حي ارض الموصلي 

نظمت قطــــعا زخرفت *** يعجز عنها الأدبو لي 

أقول في مطلعــــــــــها *** صوت صفير البلبلي


حينها أسقط في يد الأمير فقال : يا غلام يا جارية . قالوا : لم نسمع بها من قبل يا مولاي. فقال الأمير : أحضر ما كتبتها عليه فنزنه و نعطيك وزنه ذهباً. قال : ورثت عمود رخام من أبي و قد كتبتها عليه ، لا يحمله إلا عشرة من الجند. فأحضروه فوزن الصندوق كله. فقال الوزير : يا أمير المؤمنين ما أظنه إلا الأصمعي . فقال الأمير : أمط لثامك يا أعرابي. فأزال الأعرابي لثامه فإذا به الأصمعي. فقال الأمير : أتفعل ذلك بأمير المؤمنين يا أصمعي؟! قال : يا أمير المؤمنين قد قطعت رزق الشعراء بفعلك هذا. قال الأمير : أعد المال يا أصمعي . قال : لا أعيده. قال الأمير : أعده . قال الأصمعي : بشرط . قال الأمير : فما هو ؟ قال : أن تعطي الشعراء على نقلهم و مقولهم . قال الأمير : لك ما تريد .

درر من كلام ابن القيم-رحمه الله-










درر من كلام ابن القيم-رحمه الله-


 





1- للعبد ستر بينه وبين الله، وستر بينه وبين الناس؛ فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس.


2- للعبد ربٌ هو ملاقيه، وبيت هو ساكنه؛ فينبغي له أن يسترضي ربه قبل لقائه، ويعمر بيته قبل انتقاله إليه.


3- إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله، والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها.


4- الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة؛ فكيف بغم العمر؟ !


5- محبوب اليوم يعقب المكروه غداً، ومكروه اليوم يعقب الراحة غداً.


6- أعظم الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل وقت بما هو أولى بها، وأنفع لها في معادها.


7- كيف يكون عاقلاً من باع الجنة بشهوة ساعة؟ .


8- يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين: بكائه على نفسه، وثنائه على ربه.


9- المخلوق إذا خفته استوحشت منه، وهربت منه، والرب - تعالى - إذا خفته أنست به، وقربت إليه.


10- لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله - سبحانه - أحبار أهل الكتاب، ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم المنافقين.


11- دافع الخطرة؛ فإن لم تفعل صارت شهوة وهمة؛ فإن لم تدافعها صارت فعلاً، فإن لم تتداركه بضده صار عادة؛ فيصعب عليك الانتقال عنها.


12- مَنْ عَظُم وقار الله في قلبه أن يعصيه - وقَّره الله في قلوب الخلق أن يذلوه.


13- مثال تولُّد الطاعة، ونموِّها، وتزايدها - كمثل نواة غرستها، فصارت شجرة، ثم أثمرت، فأكلتَ ثمرها، وغرستَ نواها؛ فكلما أثمر منها شيء جنيت ثمره، وغرست نواه.
وكذلك تداعي المعاصي؛ فليتدبر اللبيب هذا المثال؛ فمن ثواب الحسنةِ الحسنةُ بعدها، ومن عقوبة السيئة السيئةُ بعدها.


14- ليس العجب من مملوك يتذلل لله، ولا يمل خدمته مع حاجته وفقره؛ فذلك هو الأصل.
إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه بصنوف إنعامه، ويتودد إليه بأنواع إحسانه مع غناه عنه.
15- إياك والمعاصي؛ فإنها أذلت عزَّ ( اسجدوا ) وأخرجت إقطاع ( اسكن ).


16- الذنوب جراحات، ورب جرح وقع في مقتل.


17- لو خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له.


18- إذا عرضت نظرة لا تحل فاعلم أنها مسعر حربٍ؛ فاستتر منها بحجاب ( قل للمؤمنين ) فقد سلمت من الأثر، وكفى الله المؤمنين القتال.


19- اشتر نفسك؛ فالسوق قائمة، والثمن موجود.


20- لا بد من سِنَةِ الغفلة، ورُقاد الهوى، ولكن كن خفيفَ النوم.


21- اخرج بالعزم من هذا الفناء الضيق، المحشوِّ بالآفات إلى الفناء الرحب، الذي فيه ما لا عين رأت؛ فهناك لا يتعذر مطلوب، ولا يفقد محبوب .


22- قيل لبعض العباد: إلى كم تتعب نفسك؟ قال: راحَتها أريد.


23- القواطع محنٌ يتبين بها الصادق من الكاذب؛ فإذا خضتها انقلبت أعواناً لك، توصلك إلى المقصود.


24- الدنيا كامرأة بغيٍّ لا تثبت مع زوج، وإنما تخطب الأزواج؛ ليستحسنوا عليها؛ فلا ترضَ بالدياثة.


25- من أعجب الأشياء أن تعرفه، ثم لا تحبه، وأن تسمع داعِيَهُ ثم تتأخر عن الإجابة، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته، وأن تذوق عصرة القلب في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره و مناجاته، وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره، ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه، والإنابة إليه.


26- وأعجب من هذا علمك أنك لا بد لك منه، وأنك أحوج شيء إليه وأنت عنه معرض، وفيما يبعدك عنه راغب.


27- لما رأى المتيقظون سطوةَ الدنيا بأهلها، وخداع الأمل لأربابه، وتملك الشيطان، وقياده النفوس،
ورأوا الدولة للنفس الأمارة - لجئوا إلى حصن التعرض، والالتجاء كما يلتجأ العبد المذعور إلى حرم سيده.


28- اشتر نفسك اليوم؛ فإن السوقَ قائمة، والثمن موجود، والبضائع رخيصة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يومٌ لا تصل فيه إلى قليل، ولا كثير ( ذلك يوم التغابن ) ( يوم يعض الظالم على يديه ).


29- العمل بغير إخلاص، ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله، ولا ينفعه.


30- إذا حملت على القلب هموم الدنيا وأثقالها، وتهاونت بأوراده التي هي قوته وحياته كنت كالمسافر الذي يحمل دابته فوق طاقتها، ولا يوفيها علفها؛ فما أسرع ما تقف به.


31- من تلمح حلاوة العافية هانت عليه مرارة الصبر.


32- ألفتَ عجز العادة؛ فلو علت بك همتك ربا المعالي لاحت لك أنوار العزائم.


33- في الطبع شره، والحمية أوفق.


34- البخيل فقيره لا يؤجر على فقره.


35- الصبر على عطش الضر، ولا الشرب من شِرْعة منٍّ.


36- لا تسأل سوى مولاك فسؤال العبد غير سيده تشنيع عليه.


37- غرس الخلوة يثمر الأنس.


38- استوحش ممالا يدوم معك، واستأنس بمن لا يفارقك.


39- إذا خرجت من عدوك لفظة سفه فلا تُلْحِقْها بمثلها تُلْقِحها، ونسل الخصام مذموم.


40- أوثق غضبك بسلسلة الحلم؛ فإنه كلب إن أفلت أتلف.


41- يا مستفتحاً باب المعاش بغير إقليد التقوى! كيف توسع طريق الخطايا، وتشكو ضيق الرزق؟


42- لو وقفت عند مراد التقوى لم يفتك مراد.


43- المعاصي سد في باب الكسب، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه.


44- من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من العمل، وبأي شغل يشغله.


45- الدنيا لا تساوي نقل أقدامك إليها؛ فكيف تعدو خلفها.


46- الدنيا جيفة، والأسد لا يقف على الجيف.


47- ودع ابن العون رجلاً فقال: عليك بتقوى الله؛ فإن المتقي ليس عليه وحشه.


48- قال زيد بن أسلم: كان يقال: من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا.
- قال الثوري لابن أبي ذئب: إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس فلن يغنوا عنك من الله شيئاً.


49- قال سليمان بن داود: أوتينا مما أوتي الناس، ومما لم يؤتوا، وعلِّمنا مما علِّم الناس ومما لم يعلموا؛ فلم نجد شيئاً أفضل من تقوى الله في السر والعلانية، والعدل في الغضب، والرضا والقصد في الفقر والغنى.


50- جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين تقوى الله، وحسن الخلق؛ لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه؛ فتقوى الله توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته.


51- من عرف نفسه اشتغل بإصلاحها عن عيوب الناس.


52- من عرف ربه اشتغل به عن هوى نفسه.


53- أخسر الناس صفقة من اشتغل عن الله بنفسه، بل أخسر منه من اشتغل بالناس عن نفسه.


54- ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، والبعد عن الله.


55- خلقت النار؛ لإذابة القلوب القاسية.


56- أبعد القلوب عن الله القلب القاسي.


57- إذا قسا القلب قحطت العين.


58- قسوة القلب من أربعة أشياء، إذا جاوزت قد الحاجة: الأكل، والنوم، والكلام، والمخالطة.


59- كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب – فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ.


60- من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته.


61- القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها.


62- القلوب آنية الله في أرضه، فأحبه إليه أرقها، وأصلبها، وأصفاها.


63- خرابُ القلب من الأمن والغفلة، وعمارتُه من الخشية والذكر.


64- من وطن قلبه عند ربه سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب واشتد به القلق.


65- القلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه في التوبة والحمية، ويصدأ كما تصدأ المرآة، وجلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم، وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة، والتوكل، والمحبة، والإنابة.


66- للقلب ستة مواطن يجول فيها لا سابع لها: ثلاثة سافلة، وثلاثة عالية؛ فالسافلة دنيا تتزين له، ونفس تحدثه، وعدوٌ يوسوس له؛ فهذه مواطن الأرواح السافلة التي لا تزال تجول فيها.
والثلاثة العالية علم يتبين له، وعقل يرشده، وإله يعبده، والقلوب جوالة في هذه المواطن.


67- إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنِسُوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله.


68- الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة؛ فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبةً، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة، وإما أن تثلم عرضاً توفيره أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تذهب مالاً بقاؤه خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامُه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ و أطيب من قضاء
الشهوة، وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقاً لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب هماً، وغماً، وحزناً، وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسي علماً ذكره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تشمت عدواً، أو تحزن ولياً، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول؛ فإن الأعمال تورث الصفات، والأخلاق.
69- للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه؛ فمن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف، ولم يوفِّه حقَّه شدد عليه ذلك الموقف، قال - تعالى - : ( وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26) إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ).

 


 في كتاب الفوائد

التواضع

  1- تواضع الإنسان في نفسه ويكون ذلك بألَّا يظنَّ أنَّه أعلم مِن غيره، أو أتقى مِن غيره، أو أكثر ورعًا مِن غيره، أو أكثر خشية لله مِن غيره، ...