الأحد، 30 أغسطس 2026

باب الغربة


قال شيخ الإسلام(٢): (باب الغُرْبة، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية(٣) [هود: ١١٦]).
استشهاده بهذه الآية في هذا الباب يدلُّ على رسوخِه في العلم والمعرفة وفهم القرآن، فإنّ الغُرَباء في العالَم هم أهل هذه الصِّفة المذكورة في الآية، وهم الذين أشار إليهم النّبيُّ ﷺ في قوله: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا(٤)، فطوبى للغرباء»، قيل: ومَن الغُرباء يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسدَ النّاس»(٥).
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، عن زُهير عن عَمرو بن أبي عَمرٍو مولى المطّلب بن حنطبٍ، عن المطّلب بن حنطبٍ، عن النّبيِّ ﷺ قال: «طوبى للغُرَباء»، قالوا: يا رسول الله، مَن الغرباء؟ قال: «الذين يزيدون إذا نقَصَ النّاسُ»(٦).
(

وإن(١) كان هذا الحديث بهذا اللّفظ محفوظًا لم ينقلب على الرّاوي لفظه وهو: «الذين ينقصون إذا زاد النّاس» فمعناه: الذين يزيدون خيرًا وإيمانًا وتقًى إذا نقص النّاسُ من ذلك، والله أعلم.
وفي حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»، قيل: مَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «النُّزّاعُ من القبائل»(٢).
وفي حديث عبد الله بن عمرٍو قال: قال النّبيُّ ﷺ ذات يومٍ ونحن عنده: «طوبى للغرباء»، قيل: ومَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «ناسٌ صالحون قليلٌ في ناسِ سوءٍ كثيرٍ، مَن يعصيهم أكثر ممّن يطيعهم»(٣).
وقال أحمد: حدّثنا الهيثم بن جميلٍ، حدّثنا محمّد بن مسلمٍ، حدّثنا
(

عن عبد الله بن عمرٍو(١) قال: «إنّ أحبَّ شيءٍ إلى الله تعالى الغرباء، قيل: ومن(٢) الغرباء؟ قال: الفرَّارون بدينهم، يجتمعون إلى عيسى ابن مريم يوم القيامة»(٣).
وفي حديثٍ آخر: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: ومَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنّتي ويعلِّمونها النّاس»(٤).

(١٩٠٥)، والبيهقي في «الزهد» (٢٠٥) من حديث كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جدِّه. وإسناده واهٍ، كثير متروك.
(٥) ر: «حبيبي».
مدارج السالكين جـ 4
(ص: ٧٠)

فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلّتهم في النّاس جدًّا سُمُّوا غرباء، فإنّ أكثر النّاس على غير هذه الصِّفات، فأهل الإسلام في النّاس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهلُ العلم في المؤمنين غرباء، وأهلُ السُّنّة الذين يميِّزونها من الأهواء والبدع فيهم غرباء، والدّاعون إليها الصّابرون على أذى المخالفين لهم أشدُّ هؤلاء غربةً، ولكنّ هؤلاء هم أهل الله حقًّا، فلا غربة عليهم، وإنّما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم، كما قيل(٢):
فليس غريبًا من تناءت ديارُه … ولكنّ مَن تَنْأين عنه غريبُ
(
ولمّا خرج موسى ﵇ هاربًا من قوم فرعون انتهى إلى مدين على الحال التي ذَكَر الله، وهو وحيدٌ غريبٌ خائفٌ جائعٌ، فقال: يا ربِّ وحيدٌ مريضٌ غريبٌ، فقيل له: يا موسى الوحيد مَن ليس له مثلي أنيسٌ، والمريض مَن ليس له مثلي طبيبٌ، والغريب مَن ليس بيني وبينه معاملةٌ(١).
فالغربة ثلاثة أنواعٍ:
غربة أهل الله وأهل سنّة رسوله(٢) بين هذا الخلق، وهي الغربة التي مدح رسولُ الله ﷺ أهلَها، وأخبر عن الدِّين الذي جاء به: أنّه بدأ غريبًا، وأنّه سيعود غريبًا(٣)، وأنّ أهله يصيرون غرباء.
وهذه الغربة قد تكون في مكانٍ دون مكانٍ، ووقتٍ دون وقتٍ، وبين قومٍ دون غيرهم(٤)، ولكنّ أهل هذه الغربة هم أهل الله حقًّا، فإنّهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله ﷺ، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا النّاسَ أحوجَ ما كانوا إليهم، فإذا انطلق النّاسُ يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم، فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلقَ النّاس؟ فيقولون: فارَقْنا النّاسَ ونحن أحوجُ منَّا إليهم اليوم، وإنّا ننتظر ربَّنا الذي كنَّا نعبده(٥).
(١) لم أعثر عليه.
(٢) في هامش ش، د «ﷺ» دون علامة اللحق.
(٣) «وأنه سيعود غريبا» من ت، ر، وفي ط مع زيادة: «كما بدأ».
(٤) ر: «قوم غيرهم».
(٥) تقدم تخريجه وهو في «الصحيح».
مدارج السالكين جـ 4
(ص: ٧٢)

فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها، بل هو آنس ما يكون إذا استوحش النّاس، وأشدُّ ما يكون وحشةً إذا استأنسوا، فوليُّه الله ورسوله والّذين آمنوا، وإن عاداه أكثرُ النّاس وجفوه.
وفي حديث القاسم، عن أبي أمامة، عن النّبيِّ ﷺ قال(١): «إنَّ أغبَطَ أوليائي عندي لمؤمنٌ خفيف الحاذِ ذو حظٍّ من صلاة، أحسنَ عبادةَ ربِّه، وكان رزقه كفافًا، وكان مع ذلك غامضًا في النّاس، لا يُشار إليه بالأصابع، وصبَر على ذلك حتّى لقي الله، ثمّ حلّت منيّته، وقلَّ(٢) تراثُه، وقلَّت بواكيه»(٣).
ومن هؤلاء الغرباء: مَا(٤) ذَكرَهم أنسٌ في حديثه عن النّبيِّ ﷺ: «ربّ أشعث أغبر، ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه»(٥).
)

ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطَهم النّبيُّ ﷺ: التّمسُّكُ بالسُّنّة إذا رغب عنها النّاس، وتَرْكُ ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريدُ التّوحيد وإن أنكرَ ذلك أكثر النّاس، وتَرْكُ الانتساب إلى أحدٍ غير الله ورسوله، لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبوديّة له وحده، وإلى رسوله بالاتِّباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًّا، وأكثر النّاس بل كلُّهم لائمٌ لهم؛ فلغربتهم بين هذا الخلق: يَعُدُّونهم أهلَ شذوذٍ وبدعةٍ، ومفارَقةٍ للسّواد الأعظم.
ومعنى قول النّبيِّ ﷺ: «إنهم(٣) النُّزّاع من القبائل» أنّ الله سبحانه بعث رسولَه وأهل الأرض على أديانٍ مختلفةٍ، فهم بين عبّاد أوثانٍ وعُبّاد نيرانٍ، وعبّاد صلبانٍ(٤)، ويهودٍ وصابئةٍ وفلاسفةٍ، وكان(٥) الإسلام في أوّل ظهوره غريبًا، وكان مَن أسلم منهم واستجاب لله ورسوله غريبًا في حيِّه وقبيلته وأهله

وعشيرته.
وكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزّاعًا من القبائل، آحادًا(١) منهم تفرّقوا(٢) عن قبائلهم وعشائرهم، ودخلوا في الإسلام، فكانوا هم الغرباء حقًّا، حتّى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته ودخل النّاسُ فيه(٣) أفواجًا، فزالت تلك الغُربةُ عنهم، ثمّ أخذ في الاغتراب والتّرحُّل، حتّى عاد غريبًا كما بدأ، بل الإسلام الحقُّ الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه هو اليوم أشدُّ غربةً منه في أوّل ظهوره، وإن كانت أعلامُه ورسومُه الظّاهرة مشهورةً معروفةً، فالإسلام الحقيقيُّ غريبٌ جدًّا، وأهله غرباء(٤) بين النّاس.
وكيف لا تكون فرقةٌ واحدةٌ قليلةٌ جدًّا غريبةً بين اثنتين وسبعين فرقةً، ذات أتباعٍ ورئاساتٍ ومناصب وولاياتٍ، لا يقوم لها سوقٌ إلّا بمخالفة ما جاء به الرّسولُ ﷺ؟ فإنّ نفس ما جاء به يضادُّ أهواءهم(٥)، وما هم عليه من الشُّبهات(٦) التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم، والشّهوات التي هي غاية(٧) مقاصدهم وإراداتهم؟
فكيف لا يكون المؤمن السّائر إلى الله على طريق المتابعة غريبًا بين
(١) ر، ط: «بل آحادا».
(٢) ت، ر: «تغربوا».
(٣) ش: «ودخل فيه»، د: «فيها».
(٤) ط زيادة: «أشدّ الغربة».
(٥) ر، ط زيادة: «ولذّاتهم»، وت: «وآراءهم».
(٦) ر، ط زيادة: «والبدع».
(٧) ر، ط: «غايات».
مدارج السالكين جـ 4
(ص: ٧٥)

هؤلاء الذين قد اتّبعوا أهواءهم، وأطاعوا شحّهم، وأُعْجِب كلٌّ منهم برأيه؟ كما قال النّبيُّ ﷺ: «مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيتَ(١) شُحًّا مطاعًا، وهوًى متّبعًا، ودنيا مؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، ورأيتَ أمرًا لا يدًا(٢) لك به، فعليك بخاصّة نفسِك، وإيّاك وعوامّهم، فإنّ وراءَكم أيّام الصَبْر الصّابرُ فيهم(٣) كالقابض على الجمر».
ولهذا جعَلَ له(٤) في هذا الوقت إذا تمسّك بدينه: أجرَ خمسين من الصّحابة.
ففي «سنن أبي داود» و «الترمذيِّ» من حديث أبي ثعلبة الخشنيِّ قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوًى متّبعًا، ودنيا مؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك بنفسك ودَعْ عنك العوامّ، فإنّ من ورائكم أيّام الصّبر؛ الصّبر فيهنّ(٥) مثل قبضٍ على الجمر، للعامل فيهنّ أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله، قلت: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم»(٦).
(١) ر، ط: «رأيتم».
(٢) كذا النسخ، وفي ر، ط: «يد».
(٣) ر، ط: «أيام الصبر .. فيهن»، ت: «فيها».
(٤) ط زيادة: «للمسلم الصادق».
(٥) د، ت: «فيه».
(٦) أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤)، وابن حبان (٣٨٥) من طريق عتبة بن أبي حكيم عن عمرو بن جارية اللخمي عن أبي أمية الشعباني عن أبي ثعلبة به. قال الترمذي: حسن غريب. وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٠٢٥)، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو أخرجه أحمد (٧٠٦٣)، وأبو داود (٤٣٤٢)، وابن ماجه (٣٩٥٧).
مدارج السالكين جـ 4
(ص: ٧٦)

وهذا الأجر العظيم إنّما هو لغربته بين النّاس، والتّمسُّك بالسُّنّة بين ظُلَم(١) أهوائهم وآرائهم.
فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرةً في دينه، وفقهًا(٢) في سنّة رسوله، وفهمًا في كتابه، وأراه ما النّاس فيه من الأهواء والبدع والضّلالات، وتنكُّبهم عن الصِّراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فإذا أراد أن يسلك هذا الصِّراط فليوطِّن نفسَه على قدح الجهّال وأهل البدع فيه، وطعنهم عليه، وإزْرائِهم به، وتنفير النّاس عنه وتحذيرهم منه، كما كان(٣) الكفّار يفعلون مع متبوعه وإمامه، فأمّا إن دعاهم إلى ذلك، وقدَحَ فيما هم عليه= فهناك تقومُ قيامتُهم، ويبغون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، ويَجْلِبون عليه بخيلِ كبيرِهم ورَجِلِه.
فهو غريبٌ في دينه لفسادِ أديانِهم، غريبٌ في تمسُّكه بالسُّنّة لتمسُّكهم بالبدع، غريبٌ في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريبٌ في صَلاته لسوء صلاتهم، غريبٌ في طريقه لفساد(٤) طُرُقهم، غريبٌ في نِسْبَتِه لمخالفة نِسَبِهِم(٥)، غريبٌ
(١) ط: «ظلمات».
(٢) ش: «وفقه الله» وحوّط الناسخ على لفظ الجلالة، والمثبت من بقية النسخ.
(٣) ط زيادة: «سلفهم من».
(٤) ط زيادة: «لضلال وفساد .. ».
(٥) ت: «لفساد نسبهم»، ر: «نسبتهم».
مدارج السالكين جـ 4
(ص: ٧٧)

في معاشرته لهم، لأنّه يُعاشرهم على ما لا تهوى(١) أنفسُهم.
وبالجملة: فهو غريبٌ في أمور دنياه وآخرته، لا يجد(٢) مساعدًا ولا معينًا، فهو عالمٌ بين قوم جهّالٍ، صاحب سنّةٍ بين أهل بدعٍ، داعٍ إلى الله ورسوله بين دعاةٍ إلى الأهواء والبدع، آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر بين قومٍ المعروف لديهم منكرٌ والمنكر معروفٌ.
فصل
النوع الثاني من الغربة(٣): غربةٌ مذمومةٌ، وهي غربة أهل الباطل وأهل الفجور بين أهل الحقِّ، فهي غربةٌ بين حزب الله(٤) وإن كثُرَ أهلُها، فهم غرباء على كثرة أصحابهم وأشياعهم، أهل وحشةٍ على كثرة مؤنسيهم، يُعرفون في أهل الأرض، ويَخْفَون على أهل السّماء.
فصل
النوع الثالث: غربةٌ مشتركةٌ لا تُحمَد ولا تُذَمُّ، وهي الغربة عن الوطن؛ فإنّ النّاس كلّهم في هذه الدّار(٥) غرباء، فإنّها ليست لهم بدار مُقامٍ، ولا هي الدّار التي خُلقوا لها، وقد قال النّبيُّ ﷺ لعبد الله بن عمر: «كنْ في الدُّنيا
(١) ر: «لأنه لا يعاشرهم على ما تهوى».
(٢) ط زيادة: «من العامة».
(٣) تقدم النوع الأول (ص ٧١).
(٤) ط زيادة: «المفلحين».
(٥) «في هذه الدار» ليست في ت.
مدارج السالكين جـ 4
(ص: ٧٨)

كأنّكَ غريبٌ أو عابر سبيلٍ»(١). وهكذا هو في نفس الأمر أمَرَ(٢) أن يطالع ذلك بقلبه ويعرفه حقّ المعرفة.
ولي من أبياتٍ في هذا المعنى(٣):
وحيّ على جنّات عدنٍ فإنّها … منازلك الأولى وفيها المخيّم
ولكنّنا سبي العدوِّ فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلّم
وأيُّ اغترابٍ فوق غربتنا التي … لها أضحت الأعداءُ فينا تَحَكّم
وقد زعموا أنّ الغريبَ إذا نأى … وشطّت به أوطانُه ليس ينعم
فمن أجل ذا لا ينعَمُ العبدُ ساعةً … من العمر إلّا بعدها(٤) يتألّم
وكيف لا يكون العبد في هذه الدّار غريبًا، وهو على جناح سفرٍ، لا يحلُّ عن راحلته إلّا بين أهل القبور؟ فهو مسافرٌ في صورة قاعدٍ، وقد قيل(٥):
وما هذه الأيّام إلّا مراحل … يحثُّ بها داعٍ إلى الموت قاصدُ
وأعجبُ مِن ذا(٦) لو تأمّلتَ أنّها … منازلُ(٧) تُطوَى والمسافرُ قاعدُ
(١) أخرجه البخاري (٦٤١٦).
(٢) ت، ر، ط: «لأنه أمر».
(٣) وهذه الأبيات من القصيدة المعروفة بالميمية، نشرت ضمن مجموعة «رسائل أربح البضاعة ص ٦٣ - ٧٣»، وذكر المؤلف في «حادي الأرواح» (١/ ١٣ - ١٥) و «طريق الهجرتين» (١/ ١٠٨ - ١١٥) أبياتا كثيرةً منها.
(٤) ر: «بعدما».
(٥) «وقد قيل» من ر.
(٦) ت، ر: «شيء».
(٧) ت: «مراحل».
مدارج السالكين جـ 4
(ص: ٧٩)

فصل
قال صاحب «المنازل»(١): (الاغتراب: أمرٌ يشار به إلى الانفراد عن الأكفاء).
يريد أنّ كلّ من انفرد بوصفٍ شريفٍ دون أبناء جنسه، فإنّه غريبٌ بينهم لعدم مشارِكِه أو قلّته.
قال(٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ؛‌‌ الدّرجة الأولى: الغربة عن الأوطان، وهذا الغريب موته شهادةٌ، ويُقاس له في قبره مِن مَدفِنه إلى وطنه، ويُجمَع يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم).
لمّا كانت الغربة هي الانفراد، والانفراد إمّا بالجسم وإمّا بالقصد والحال وإمّا بهما= كان الغريبُ غريبَ جسمٍ، أو غريبَ قلبٍ وإرادةٍ وحالٍ، أو غريبٌ(٣) بالاعتبارين.
قوله: (وهذا الغريب موته شهادةٌ) يشير به إلى الحديث الذي رُوي عن هشام بن حسَّان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: «موت الغريب شهادةٌ»(٤). ولكن هذا الحديث لا يثبت، وقد روي بطرقٍ لا يصحُّ
(١) (ص ٨٧).
(٢) «المنازل» (ص ٨٨).
(٣) ط: «غريبا»، والمثبت من النسخ مرفوع على القطع، أي: أو هو غريب.
(٤) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٣٠٠) ــ ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٠٩) ــ والآجري في «الغرباء» (٥١) من طريق أبي رجاء عبد الله بن الفضل الخراساني، عن هشام بن حسَّان به. وأبو رجاء ضعيف منكر الحديث.
وله شاهد من حديث ابن عباس عند ابن ماجه (١٦١٣)، وأبي يعلى (٢٣٨١)، والطبراني (١١/ ٢٤٦)، والبيهقي في «الشعب» (٩٤٢٦)، وغيرهم. وإسناده واهٍ أيضًا، فيه الهُذيل بن الحكم، قال البخاري: منكر الحديث. انظر: «التاريخ الأوسط» للبخاري (٣/ ٦٠١) و «الضعفاء» للعقيلي (٦/ ٢٩٧) و «بيان الوهم والإيهام» (٢/ ٢٦٣) و «البدر المنير» (٥/ ٣٦٦ - ٣٦٩).
مدارج السالكين جـ 4
(ص: ٨٠)

منها شيءٌ، قال الإمام أحمد: هذا منكرٌ(١).
وأمّا قوله: (ويُقاس له في قبره مِن مَدفِنه إلى وطنه) فيشير به إلى ما رواه عبد الله بن وهبٍ: حدّثني حييُّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرّحمن الحُبُليِّ، عن عبد الله بن عمرٍو قال: توفِّي رجلٌ بالمدينة ممّن ولد بالمدينة فصلّى عليه رسول الله ﷺ، وقال: «ليته مات في غير مولده»، فقال رجلٌ: ولِمَ يا رسول الله؟ فقال: «إنّ الرّجل إذا مات قِيسَ له مِن مولده إلى مُنْقَطَع أثره في الجنّة»(٢).
رواه ابن لهيعة، عن حُييٍّ بهذا الإسناد، وقال: وقف رسول الله ﷺ على قبر رجلٍ بالمدينة، فقال: «يا له لو مات غريبًا»، فقيل: وما للغريب(٣) يموت بغير أرضه؟ فقال: «ما مِن غريبٍ يموت بغير أرضه، إلّا قِيسَ له مِن تُرْبَتِه إلى مولده في الجنّة».
(١) ذكره ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٠٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٦١٤)، والنسائي (١٨٣٢)، وأحمد (٦٦٥٦)، وابن حبان (٢٩٣٤) من طرق عن حُيي المعافري وهو ضعيف. ورواية ابن لهيعة التي ذكرها المؤلف هي رواية أحمد وهي باللفظ الذي ساقه أولًا. أما اللفظ الثاني فلم أجده.
(٣) د: «ما يموت»، ت: «منا»، ر: «مما».
مدارج السالكين جـ 4
(ص: ٨١)

وقوله: (ويُجمَع يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم) يشير إلى الحديث الذي رواه الإمام أحمد(١): حدّثنا الهيثم(٢) بن جميلٍ، حدّثنا محمّد بن مسلمٍ، حدّثنا عثمان بن عبد الله بن أوسٍ، عن سليمان بن هرمز، عن عبد الله بن عمرٍو(٣): أحبُّ شيءٍ إلى الله الغرباء. قيل: وما الغرباء يا رسول الله(٤)؟ قال: «الفرَّارون بدينهم يُجْمَعون(٥) إلى عيسى ابن مريم يوم القيامة».
فصل
قال(٦): ‌‌(الدّرجة الثّانية: غُربة الحال، وهذا من الغرباء الذين طوبى لهم، وهو رجلٌ صالحٌ في زمانٍ فاسدٍ بين قومٍ فاسدين، أو عالمٌ بين قومٍ جاهلين، أو صدِّيقٌ بين قومٍ منافقين).
يريد بالحال هاهنا: الوصف الذي قام به من الدِّين والتمسُّك بالسُّنّة، ولا يريد به الحال الاصطلاحيّ عند القوم، والمراد به: العالم بالحقِّ، العامل به، الدّاعي إليه.
وجعل الشيخُ الغرباءَ في هذه الدّرجة ثلاثة أنواعٍ: صاحبُ صلاحٍ ودينٍ
(١) تقدم تخريجه (ص ٦٩).
(٢) وقع في ش، د: «القاسم» تحريف، وقد تقدم على الصواب قبل صفحات.
(٣) زاد في ر، ط: «عن النبي ﷺ». ولا وجود لها في مصادر الحديث من هذا الطريق! وقد سبق التنبيه على هذه الزيادة (ص ٦٩).
(٤) «يا رسول الله» كذا في النسخ هنا، وإلا فقد سبق (ص ٦٩) بدونه، والحديث موقوف من هذا الطريق في مصادر التخريج.
(٥) ر: «يجتمعون».
(٦) «المنازل» (ص ٨٨).
مدارج السالكين جـ 4
(ص: ٨٢)

بين قومٍ فاسدين، وصاحب علمٍ ومعرفةٍ بين قومٍ جهّالٍ، وصاحب صدقٍ وإخلاصٍ بين أهل كذبٍ ونفاقٍ، فإنّ صفات هؤلاء وأحوالهم تنافي صفات من هم بين أظهرهم، فمثل هؤلاء بين أولئك كمثل الطائر الغريب بين الطَّير(١)، والكلب الغريب بين الكلاب.
والصِّدِّيق هو الذي صدَق في قوله وفعله، وصدّق الحقَّ بقوله وعمله، فقد انجذبت قواه كلُّها للانقياد لله ورسوله، عكس المنافق الذي ظاهره خلاف باطنه وقوله خلاف عمله.
فصل
قال(٢): ‌‌(الدّرجة الثّالثة: غُربة الهمّة، وهي غربةُ طلب الحقِّ، وهي غربة العارف؛ لأنّ العارف في شاهده غريبٌ، ومصحوبه في شاهده غريبٌ، وموجوده فيما(٣) يحمله علمٌ أو يظهره وجدٌ، أو يقوم به رسمٌ، أو تُطِيقُه إشارةٌ، أو يشمله اسم غريبٍ، فغربة العارف غربة الغربة؛ لأنّه غريب الدُّنيا والآخرة(٤)).
إنّما كانت هذه الدّرجة أعلى ممّا قبلها، لأنّ الغربة(٥) الأولى غُربةٌ بالأبدان. والثّانية: غربةٌ بالأفعال والأحوال. وهذه الثّالثة: غربةٌ بالهِمَم. فإنّ
(١) ر: «الطير الغريب بين الطيور».
(٢) «المنازل» (ص ٨٨).
(٣) ر: «لا».
(٤) في المنازل: «وغريب الآخرة» وهو كذلك فيما سينقله المؤلف (ص ٨٤).
(٥) ت: «المعرفة».
مدارج السالكين جـ 4
(ص: ٨٣)

همّة العارف حائمةٌ حول معروفه، فهو غريبٌ في أبناء الآخرة، فضلًا عن أبناء الدُّنيا، كما أنّ طالب الآخرة غريبٌ في أبناء الدُّنيا.
قوله: (لأنّ العارف في شاهده غريبٌ) شاهد العارف: هو الذي يشهد عنده وله بصحّة(١) ما وجَدَ وأنّه كما وجَدَ، وبثبوت ما عَرَف وأنّه كما عرَف.
وهذا الشّاهد أمرٌ يجِدُه مِن قلبه، وهو قُربه من الله، وأُنْسُه به، وشدّة شوقه إلى لقائه وفرحه به، فهذا شاهده في سرِّه وقلبِه.
وله شاهدٌ في حالِه وعملِه، يُصدِّق هذا الشّاهد الذي في قلبه.
وله شاهدٌ في قلوب الصّادقين، يصدِّق هذين الشّاهدين، فإنّ قلوب الصّادقين لا تشهد بالزُّور البتّة، فإذا خَفِي عليك شأنُك وحالُك، فسل عنك قلوبَ الصّادقين تشهد(٢)؛ فإنّها تخبرك عن حالك.
قوله: (ومصحوبه في شاهده غريبٌ) مصحوبه في شاهده، هو الذي يصحبه فيه من العلم والعمل والحال، وهو غريبٌ بالنِّسبة إلى غيره ممّن لم يُطِق طعمَ هذا الشّأن، بل هو في وادٍ وأهله في وادٍ.
قوله: (وموجوده فيما يحمله علمٌ .. إلى آخره) يريد بموجوده ما يجده في شهوده وجدانًا ذاتيًّا حقيقيًّا في هذه المراتب المذكورة؛ لأنّ الشُّهود يشملها كلُّها حالة(٣) المشاهدة.
(١) 

ليست هناك تعليقات:

باب الغربة

قال شيخ الإسلام(٢): (باب الغُرْبة، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَس...